First Published: 2015-11-22

صوت مستعار وراء تغريدات السياسيين الكبار

 

سنكون سعداء جدا عندما يعلن كبار السياسيين والمشاهير – كما فعل الرئيس الأميركي باراك أوباما- عن الفريق المجهول الذي يجلس خلف لوحة المفاتيح ويغرد بصوتهم المستعار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

“ساعة جذابة يا أحمد. هل تود إحضارها إلى البيت الأبيض. يجب أن نشجّع أطفالا آخرين أمثالك على حب العلم. هذا هو ما يجعل أميركا أمة عظيمة”.

لم تكن هذه التغريدة التي انطلقت من حساب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يتابعه خمسة ملايين مستخدم، قد كتبت وفق الحس الذاتي لأوباما نفسه بصفته مغردا ومتسقا مع كلام يوصله إلى الملايين.

كانت التغريدة التي تفاعل معها الملايين على تويتر بوصفها أهم التداعيات على اعتقال الطالب الأميركي المسلم من أصول سودانية أحمد محمد من قبل الشرطة الأميركية لاعتقادها أن الساعة التي اخترعها كانت قنبلة.

لكنها ببساطة كتبت للرئيس ولم يكتبها هو، ولسنا على يقين إن قرأها لاحقا في حسابه أو أبلغ عن مضمونها قبل نشرها، ببساطة إن الرئيس لا يكتب تغريدات في حسابه!

لن تقتصر المفاجأة على أوباما، لنا أن نسأل أيضا عن المرشد الإيراني علي خامنئي الذي يمتلك حسابا فعالا على تويتر باللغات الفارسية والعربية والإنكليزية، إن كان حقا هو بنفسه من يغرّد على تويتر الذي يعده مع مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى من دعايات “شياطين الغرب” ولا يكف عن الدعوة إلى إنترنت إسلامي حلال!

سبق لأمبرتو إيكو وصف فكرة أن يكون الهاتف المحمول وسيلة مفيدة للسياسيين بالمضحكة، قائلا إن السياسيين الكبار لا يجيبون على الهاتف أصلا، لذلك مثل هذا الهاتف لن يكون شخصيا عندما يرد عليه أكثر من مساعد للسياسي، ومثل هذه الفكرة تنطبق على تغريدات الزعماء والمشاهير إذا كان ثمة من يدير حساباتهم على تويتر وفيسبوك.

فحساب الرئيس الأميركي يديره فريق مكوّن من عشرين من مساعديه مرتبط بمكتب الاستراتيجية الرقمية في البيت الأبيض، ويعمل هذا الفريق على “إنشاء هوية رقمية للرئيس الأميركي كما يبحث عن سبل لجلب صوت الرئيس إلى الشعب” والفقرة الأخيرة المستلة من تقرير وزعته خدمة نيويورك تايمز، تنمّ عن خطاب سياسي واضح، يتم بموجبه استثمار فكرة مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها وسيلة إعلامية مضافة.

فهل يمكن بعدها أن نتحدث عمّا هو شخصي في حسابات الكبار التي تمتلك قيمتها ليس بما ينشر فيها، فهو متوفر بوسائل الإعلام الأخرى وأولها التلفزيون، بل تكمن قيمتها برصيد الملايين من المتابعين لها.

من حق السياسيين والمشاهير ورجال الدين الترويج لخطابهم بصفة دعائية على اعتبار تويتر هو تعريف لما يحدث الآن في العالم، لكن أن يكون صوتهم يحمل تعابير مصنوعة من قبل غيرهم، هذا يعني أن ثمة حساب ليس شخصيا في حساباتهم الشخصية! لأن التجارب الافتراضية الظاهرية على الإنترنت، وفق الروائي الراحل غونتر غراس، لن تكون بديلا عن التجارب المباشرة.

أو مثلما يرى الروائي الأميركي جوناثان فرانزين أن مساحة الـ140 حرفا على تويتر مجدية لاكتشاف روح الكلمات المخبّأة، فكيف إذا كانت مثل هذه الروح يصنعها غيرك ويتابعها الجمهور باعتبارها لك.

تويتر هو عند البعض منصة حية لوسائل الإعلام، وعند آخرين مجتمع ديمقراطي يسمح بالتحادث على قدم المساواة، فيما يختصر البعض مهمة تويتر بالحرية بصفته ملاذا مفتوحا بلا قيود غيّر القيم الشخصية للمغرد والرادع الأخلاقي الذي يتمسك به.

فمع الكم الهائل من الهراء، هناك استيلاء على أفكار الآخرين في تغريدات تويتر، وهناك أيضا علاقة أوجدها السياسيون الكبار تقطع مع الوظيفة التي وجدها مثل هذا المايكروفون الأقوى في العالم.

اللغة صناعة حسيّة عميقة، وهذا ما يلفت الانتباه لمن يصنع بمئة وأربعين حرفا فكرة مثيرة وتعبيرا متناسقا خاليا من الركاكة، فليس ثمة حواجز أمام خيالنا أو عواطفنا لأن شبكة الإنترنت عموما قوة لا تلين من أجل الخير في عالم الاتصال وفق تعبير إيريك شميدت، المدير التنفيذي لمحرك البحث غوغل.

لكن، أي قيمة لمثل هذه العواطف إن كانت صناعتها تتم بالإنابة عنا!

سنكون سعداء جدا عندما يعلن كبار السياسيين والمشاهير – كما فعل الرئيس الأميركي باراك أوباما- عن الفريق المجهول الذي يجلس خلف لوحة المفاتيح ويغرد بصوتهم المستعار.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>