First Published: 2015-11-24

لو لم تقع غزوة باريس

 

حين شهدت باريس المجزرة الدموية، بدا الرئيس الفرنسي كما لو أنه استيقظ على أنباء جحيم لم يسمع بها من قبل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

أيُعقل أن فرنسا كانت غافلة عن الخطر الذي يمثله وجود تنظيم ارهابي مثل داعش قبل أن يرتكب ذلك التنظيم جرائمه في ليل باريس؟

ردة الفعل الرسمية الفرنسية كشفت عن أن حجم الصدمة يتناسب طرديا مع حجم المفاجأة، حيث لم يكن أحد في الأجهزة الامنية والمخابراتية الفرنسية يتوقع حدوث أمر جلل كالذي حدث.

ولكن ذلك الاحتمال لا يتناسب مع سعة المعلومات المتوفرة لدى تلك الاجهزة، وهو ما أفصحت عنه حركة الشرطة السريعة في تتبع الخيط الذي يقود إلى الجهات التي خططت للجريمة.

كانت الخرائط جاهزة كما هو متوقع.

دول أوروبا كلها اتخذت الاحتياطات اللازمة لمواجهة أي تصعيد محتمل من جانب التنظيم الارهابي، متخذة العبرة مما جرى في باريس. وإذا ما كانت تلك الدول قد استنفرت أمنيا فإن كثيرا من الاهتمام الاعلامي والنقاش الاجتماعي كان قد أنصب على المشكلات التي جعلت من شباب ولدوا وعاشوا وتربوا وتعلموا في أوروبا أداة سهلة الاستعمال في يد الارهاب الموجه ضد مجتمعات يفترض أنها مجتمعاتهم.

من السذاجة تصديق وقبول الفكرة التي تقول إن اوروبا لم تكن تعرف أن جزءا من داعش (على الاقل فكره المتشدد) يقيم على أراضيها متغلغلا بين صفوف شبابها. فبغض النظر عن أصول أولئك الشباب وديانتهم فإن الاعتراف بنشأتهم الاوروبية يفتح باب النقاش حول مسؤولية البرنامج الاجتماعي الاوروبي عما جرى على مصراعيه.

هل كانت الاجهزة الامنية تعتقد أن كل شيء تحت السيطرة؟

شيء من ذلك الوهم هو ما سهل على داعش استعمال تقنيتها في الاختراق.

كان من اليسير على عدد من الاطراف وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط أن تزعم أنها سبق وأن حذرت أوروبا من إمكانية وقوع هجمات ارهابية على أراضيها. حديث يمكن أن يقوله أي إنسان، هو على اطلاع مبتسر على المناهج النظرية للتنظيمات الارهابية.

أوروبا هي المستهدفة. أولا لأنها قريبة من مناطق النزاع المسلح وثانيا لأن مجتمعاتها قبلت بالمسلمين مواطنين أصليين، لا يتعرض أحد منهم للتمييز بسبب ديانته.

ولكي تكون حقيقة ذلك العيش المشترك صلبة كانت في حاجة إلى برنامج اجتماعي لا لدمج الفئات المهاجرة بالمجتمعات، بل لتثقيفها بالمعاني الذي ينطوي عليها التعدد والتنوع العرقي والديني. وهو ما لم يقع إلا في حدود ضيقة.

لقد شهدت أوروبا في السنوات الأخيرة تصعيدا يمينيا متوترا، كان الهدف منه احراج الدول في قوانينها المتسامحة، وهي قوانين تستمد قوتها من النزعة الأخلاقية المتأصلة أوروبيا. وهو ما أربك المشهد في أعين الشباب الذي لم يهاجر إلى أوروبا، ذلك لانه ولد اوروبيا، بالرغم من أن كل شيء يحيط به كان يذكره بأصوله.

ما فوجئت به أوروبا وكان مصدر فجيعتها كان معروفا بالنسبة لأجهزتها الامنية. ولو أن تلك الاجهزة كانت قد وضعت معلوماتها قيد التصرف لما اضطرت بلجيكا إلى غلق المدارس وايقاف حركة قطارات الانفاق بسبب مجرم لا يزال طليقا.

كما أرى فإن المواقف السياسية التي أتخذتها بعض الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا من الازمة السورية كانت قد عطلت تعامل الاجهزة الأمنية مع معلوماتها بشكل واقعي جاد.

كل الخطابات التي القاها الرئيس الفرنسي قبل جريمة باريس كانت تركز على رحيل الأسد شرطا لقيام سوريا ديمقراطية، من غير الاشارة ولو بشكل عابر إلى الجماعات الارهابية التي كان خطرها ولا يزال يتخطى حدود سوريا.

اما حين شهدت باريس المجزرة الدموية فقد بدا الرئيس الفرنسي كما لو أنه استيقظ على أنباء جحيم لم يسمع بها من قبل. وهو ما سمح للأجهزة الامنية بأن تفرش خرائطها وتستعرض خبراتها التي كانت قيد التداول السري.

أما كان في استطاعة أوروبا أن تمنع وقوع غزوة باريس؟ سؤال سيواجهه وزراء داخلية الاتحاد الاوروبي بقدر كبير من الحيرة والارتباك.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الغام الاخوان تحت أقدام المصريين
2017-05-29
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
المزيد

 
>>