First Published: 2015-11-24

لن تحصلوا على كراهيتي

 

قيمة ما كتبه أنطوان ليريس الذي فقد زوجته في هجمات باريس أعمق من أن يقتصر على مخاطبة داعش، إنها رسالة فذة إلى السياسيين الطائفيين ورجال الدين دعاة الكراهية تعلمهم ما معنى الحب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

قدم أنطوان ليريس الفرنسي الذي فقد زوجته هيلين مويال في هجمات باريس درسا عميقا في إحساس الإنسان بالحرية عندما رفض منح داعش كراهيته، كما تعهد بألا يمنح ابنه الرضيع ملفيل (17 شهرا) الذي فقد أمه من دون أن يتذكر ملامح وجهها مثل تلك الكراهية التي يسعى لها تنظيم داعش عندما يكبر، لأنه يدرك ما معنى أن يعيش الإنسان بكرامته وليس مسكونا بالتاريخ الغامض في قرون من الظلام.

رغم الوجع والأسى والدمع كتب الزوج بعد يومين من فقد زوجته التي عاش معها 12 عاما لكنها في النهاية تركت له طفلا رضيعا وذهبت من دون أن تعود بلا سبب اقترفته، سوى أنها كانت سعيدة في حياتها والقتلة لا يؤمنون بالسعادة “نحن اثنان فقط، أنا وابني، ولكننا أقوى من كل جيوش العالم. ليس لدي المزيد من الوقت لأكرسه لكم، علي الانضمام إلى ملفيل الذي استيقظ من قيلولته، إنه بالكاد يبلغ من العمر 17 شهرا، سيأكل وجباته كالمعتاد، وبعدها سنذهب للعب كالمعتاد، وطوال حياته هذا الطفل الصغير سيهددكم بالعيش سعيدا وحرا، لأنكم لن تحصلوا على كراهيته كذلك”.

لقد أخذ داعش من ليريس حياة استثنائية بقتل والدة ابنه، لكنه تعهد بألا يحصل مثل أولئك الظلاميين الذين وصفهم بالنفوس الميتة الذين لا يعرف من هم ولا يريد أن يعرف، بألا يحصلوا على كراهيته.

وكتب بحس استثنائي لا يمتلكه من فقد شريك حياته “أنتم نفوس ميتة، إذا كان الله هذا، الذي تقتلون باسمه بشكل أعمى، جعلنا على صورته، فكل رصاصة في جسد زوجتي ستكون جرحا آخر في قلبه”.

لذلك “لن أمنح لكم هدية الكراهية، أنتم تطلبونها، ولكن الرد على الكراهية بالغضب هو الوقوع ضحية نفس الجهل الذي جعل منكم ما أنتم عليه، تريدون مني أن أكون خائفا، والنظر إلى أبناء بلدي بارتياب، والتضحية بحريتي من أجل أمني، لقد خسرتم”.

مثل هذا الرجل المكلوم مازال يعيش في جنة الحب الحر الذي لن يتمكن عناصر “الدولة الإسلامية” من دخولها لأن جنتهم مليئة بالقيود والنار وخالية من الحرية.

قيمة ما كتبه أنطوان ليريس أعمق من أن يقتصر على مخاطبة تنظيم داعش وحده، إنها رسالة فذة إلى السياسيين الطائفيين ورجال الدين دعاة الكراهية وعناصر الميليشيات الذين يقتلون في بلداننا على الهوية، تعلمهم ما معنى الحب وما معنى أن يكون ثمة جرح يضاف إلى قلب الله في كل عملية قتل باسمه.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>