First Published: 2015-11-25

«الشَّارقة للكتاب»: ما زال الكاغد بخير

 

استبدل الاولون الطين والحجر والجلد بالورق. الورق يرفض الاستبدال بالصفحات الالكترونية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

لا تخلو معارض الكتب، منذ أعوام، من النقاش حول النِّزاع بين الورق والضوء، والإعلام التقليدي وإعلام التواصل الاجتماعي عبر وسائله المعروفة، وهو شكل آخر من النزاع بين الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية. ومع ذلك لا يكف الناس عن متابعة أخبار الصحف الورقية، فعند الكثيرين تعد وثيقة مادية تحفظ أمام العين، كذلك ما زال الكتاب الورقي في مجالاته المتعددة وثيقة، ففي الوقت الذي يمكن فيه التلاعب بمواقع الإنترنت، تبقى الورقة عصية على الاختراق.

تلك حوارات سمعناها في معرض الشارقة للكتاب في موسمه الأخير (2015)، وكان مزدحماً بدور النشر، التي وصل عددها إلى ألف وخمسمائة دار، ومازال المؤلفون والناشرون يتعاقدون على كتب جديدة. بمعنى أن الوقت لم يحن للاستغناء عن الكاغد وتجارته وعقد أسواقه الموسمية. إضافة إلى بيع وشراء الكتاب وعقد الصفقات بين المطابع ودور النشر وإعادة طباعة الكتب القديمة المحققة، كي تتحول إلى «بي دي إف». فالمعارض مناسبات للتبادل الثقافي بين جهات الأرض كافة، وفي مختلف اللغات من الصينية إلى اليابانية مروراً بالإنجليزية، ومعرض الشارقة للكتاب يأتي في المقدمة بهذه التقاليد، وإمارة الشارقة نفسها لها تاريخ ثقافي مميز، إذ ساهمت في تطوير المسرح والفن بشكل عام، ولها الأسبقية بتشجيع المسرحيين والخطاطين والرسامين، وترى ذلك واضحاً في معرضها السنوي.

افتتحت الدورة الأولى لمعرض الشارقة عام 1982، وهذه الدورة الرابعة والثلاثون، وتظهر في المعرض سنوياً دور جديدة وكتب جديدة، حتى لاحظت العديد من الشباب، وهم من يفترض أنهم حريصون على الكتاب الإلكتروني، يسعون إلى جمع مقالاتهم أو قصائدهم ونشرها في كتاب ورقي، لا نتحدث هنا عن أهميتها بقدر الإشارة إلى سحر الورقة وألقها، وبهذا يكون الحديث عن بقاء الورق أو عدمه يدور بين مشاعر العازمين على إزاحته والمتمسكين بوجوده.

نعم تراجعت مبيعات الصحف الورقية أمام المواقع الإلكترونية، التي هي الأخرى إذ تراجعت عن مجانيتها سيحد من انتشارها، إذن المجانية وراء شهرة الصحف الإلكترونية، إضافة إلى دخولها إلى البيوت وفي أي وقت كان، خصوصاً بعد انتشار الهاتف الذكي، وسرعة تداول الأخبار على المواقع الإلكترونية.

ليس لدينا معطيات ولا معلومات عن الكيفية التي استقبل بها الأولون الكاغد، وكيف استبدل بالطين والحجر، مع أن المؤرخين والموثقين لا يستبدلون وثيقة منقوشة على حجر أو طين أو جلد بكاغد، وهذا التحول حصل في القرون الخوالي، وعبارة الجاحظ: «كانوا يجعلون الكتاب حفراً في الصخور ونقشاً في الحجارة» (كتاب الحيوان)، أشارت إلى أن هذا التحول حصل قبل زمانه بكثير، ولم يعد للكتابة على الحجر أو الطين وجوداً، لكن بالتأكيد جرى نقاش حول هذا الاختراع الكبير آنذاك، لا يقل عن النقاش الحالي بين أهل الكاغد وأهل صفائح الضوء.

يذكر أبو العباس شهاب الدين القلقشندي (ت 821هـ) انتهاء عصر الكتابة على الجلود واستبدال الكاغد أو الورق بها: «أمر (الرشيد) أن لا يكتب الناس إلا في الكاغد، لأن الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة فتقبل التزوير، بخلاف الورق، فإنه متى محي منه فسد، وإن كشط ظهر كشطه» (صبح الأعشى). هذا ما نخشاه مما سيحصل في الكتاب الضوئي. بيد أن أبا فرج النديم (ت 380هـ)، وهو الأقرب إلى زمن الرواية المذكورة، قال: «أقام الناس ببغداد سنين لا يكتبون إلا في الطروس (صحف من الجلد)، لأن الدواوين نُهبت في أيام محمد بن زبيدة (الأمين) وكانت جلوداً، فكانت تمحي ويكتب فيها» (الفهرست). فها هي دواوين الدول تفرغ أراشيفها الورقية الرسمية في الأجهزة الضوئية، لسهولة تخزينها واستعمالها، غير أنها اُخترقت أكثر من مرة، وآخرها أو أهمها «ويكيليكس»، بينما كان الصخر أكثر حماية من الورق والورق أكثر أمناً من الضوء.

ختاماً، ربما ندرة الورق أو الكاغد جعلت أبا نواس لما أراد أن «يكتب إلى إخوان له، فلم يجد شيئاً يكتب فيه، فحلق رأس غلامه وكتب عليه ما أراد، وفي آخرها كتب، وإذا قرأتم الخطاب فخرقوا القرطاس» (أدب الكُتاب)، وأخالها حكاية للفكاهة لا أكثر. وقال في ذلك: «إن القراطيس من قلبي بمنزلة/ تكون كالسمع والعينين في الرأس/ لولا القراطيس مات العاشقون معاً/ هذا بغم وهذا كم بوسواس»، فقد صارت بريد الهوى.

بعد زيارة معرض الشارقة للكتاب، وكان عبارة عن مهرجان ثقافي، وكل معرض، ترى الكاغد بخير، ولم تأت اللحظة التي تضع فيها الدول حداً لاستعماله في الكتابة، مثلما أبطل هارون الرشيد (ت 198هـ) استخدام غير الكاغد. إنه التداخل الحضاري، الكاغد والضوء معاً.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
قلم نوري المالكي.. «المحفوظ»!
2017-02-08
مكتبة الإسكندرية: معاً ضد التطرف
2017-02-01
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
المزيد

 
>>