First Published: 2015-11-29

حصان السياسة عربة الاستبداد

 

انظروا نتيجة بلدان استسلمت لمراهقي السياسة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما كان يحق للنظام السياسي العربي أن يغادر القرن العشرين ليطأ بعجلات عربته الثقيلة عتبة القرن الواحد والعشرين. كان ذلك خطأً تاريخياً، سرعان ما عصفت بسببه رياح العنف بالمفاصل الاساسية للمجتمعات العربية التي لم تعد تقوى على حمل جثة ذلك النظام السياسي المتعفنة مثل جيفة.

أكان احتلال العراق أول مؤشرات ذلك السقوط حقا؟

كما أرى فإن ذلك الحدث المأساوي كان نتيجة لسقوط أعظم منه سبقه. ربما كان احتلال الكويت منتصف عام 1990 بمثابة الضربة القاضية للمشروع السياسي القومي، غير انه كان في الوقت نفسه واحدة من أهم علامات فشل المشروع السياسي الوطني.

الصفر الذي قبضته الشعوب العربية من مسيراتها الحماسية، يوم كانت تصنع بالصفير وهم الوحدة العربية كان في انتظارها مرة آخرى في منعطف، سيكون هذه المرة بمثابة قفزة إلى الهاوية.

عطلت دولة الوحدة التي هي مجرد انشاء لفظي امكانية قيام الدولة الوطنية، إلا في حدود ما كان متداولا من قيم ومعايير عمل سياسي هي ارث الماضي الملكي الذي تم العبث بالكثير من مفرداته.

ما فعله العقيد القذافي بليبيا كان استثناء عاصفا في هذا المجال.

فالرجل المهووس بالفوضى لم يبق حجرا في مكانه.

اما في مصر وسوريا والعراق فإن الانظمة الوطنية التي حكمت بشخص المستبد الرمز أبقت على شيء من الدولة التي ورثتها من أجل تكريس مهابتها. مهابة الحاكم الذي جلس على عرش المُلك.

لقد أهدرت أوقات عزيزة، كان من الممكن أن تخصص للتنمية الوطنية، من أجل الاستعداد لقيام الدولة القومية المنشودة. وهو ما انعكس سلبا على صورة الدولة الوطنية التي لم تكن تشكل بالنسبة لصناع القرار هدفا، يُمكن الاعتزاز به.

كانت الوحدة هي المفردة الاولى من أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي. وكما تنص أدبيات الحزب المذكور فإن انجاز مشروع الوحدة يشكل حجر الاساس الذي يقوم عليه الهدفان الآخران وهما الحرية والاشتراكية.

وهو ما يعني أن لا حياة اجتماعية معافاة من القمع ولا وضع اقتصادي يتسم بالعدل في توزيع الثروات قبل أن تتحقق الوحدة العربية، وهي الفكرة ـــ الحلم التي كانت في خمسينات القرن العشرين أكثر قربا من الخيال الواقعي مما أنتهت إليه في تسعينات القرن نفسه.

كانت عربة الاستبداد تمتلئ بالوقائع المؤلمة والقاسية كلما صار وهم الوحدة العربية أكثر شبحية. كان مشهد الدولة الوطنية يزداد رثاثة كلما شحب مشهد الدولة القومية التي لم تكن قد قامت لها قائمة إلا في نصوص الانشاء المدرسي التي كتبها ببراءة عدد من رواد العروبة، في محاولة منهم لإستغلال فرصة تاريخية لقيام كيان عربي خالص من بين ركام الدولة العثمانية.

وكما يبدو من خلال التجربة العملية المريرة، فإن النظام السياسي العربي الذي توزع على الشعوب بموجب اتفاقية سايكس بيكو لم يكن مؤهلا للتصدي لمهمة بناء مشاريع وطنية، تكون بمثابة البنى الاساسية للنهوض بالمشروع القومي انطلاقا من فكرتي التكامل الاقتصادي والانسجام الثقافي كما حدث في أوروبا.

لقد راهن النظام السياسي العربي على حصان، لم تكن له خبرة في سباق يجري على الارض. لذلك لم يكتسب الخطاب السياسي العربي صلابة المعلومة الواقعة وظل هائما في فضاء البلاغة التي لا تترك خدشا على جسد السياسة حين تمسه.

حين فشلت العروبة مع الخرس الذي أصيبت به الانظمة الناطقة بإسمها، كان على دول عربية أن تطوي صفحة السنوات التي ظلت حائرة فيها وهي تبحث عن شخصيتها لتبدأ العد من الصفر.

كان عبء الاستبداد ثقيلا فيما لم يكن حصان السياسة مستعدا لقهر المسافات التي تفصل بين خيال ولد ميتا، هو العروبة السياسية وبين واقع سُلم إلى الموت تدريجيا، تشهده كل لحظة بلدان استسلمت لإحلام مراهقي السياسة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
المزيد

 
>>