First Published: 2015-11-30

داعش مشكلة ثقافية

 

يمكن الاطمئنان إلى القول بأن عصر التنوير الذي اقامه الحالمون العرب قد ذهب وأن عالمنا اليوم يعيش الفتاوى باعتبارها عنوانا للطهر والعفة والايمان الخالص.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بالرغم من كثرة الحديث عن البعد الثقافي لظاهرة الارهاب التي يمثلها اليوم تنظيم داعش فإن جهدا حقيقيا لتفكيك ذلك البعد والتصدي له من داخله لم يُبذل من قبل المؤسسسات المعنية بالامر.

أهو الكسل والتراخي أم هو التواطؤ، طاعة أوخوفا؟

ليس من الصعب الكشف عن العلاقة الشائكة والمعقدة بين ظهور داعش وسواه من التنظيمات الارهابية والظاهرة الدينية، كما تبلورت عبر العقود الثلاث الأخيرة. فهناك مَن هو على يقين أن التراجع الفكري الذي شهده العالم العربي بطريقة لافتة يقف وراء صعود التيارات الحزبية التي تتبنى التوجهات الفقهية الأشد تشددا وتعسفا في تفسير النصوص الدينية وتأويل المرويات التاريخية.

في أوقات سابقة حل التفكير الديني محل التفكير المدني لدى زعماء سياسيين مثل جعفر النميري وانور السادات وصدام حسين. حدث ذلك قبل أن يُخرج التطرف الديني وحوشه من العالم السفلي الذي كانت جماعة الاخوان المسلمين قد اثثته بافكارها الظلامية منذ عشرينات القرن العشرين.

اما سيل الفتاوى التي كانت ولا تزال تصدر من هنا وهناك لتعبر عن عقد وامراض شخصية في مواجهة سبل وأساليب وشروط الحياة المعاصرة التي يمثلها النموذج الغربي فقد أغرق المجتمعات بكل ما من شأنه أن يقيدها إلى الماضي، بإعتباره عنوانا للطهر والعفة والايمان الخالص.

وهو ما القى بظلال كئيبة على علاقة العربي بالعالم من حوله، وهي علاقة تتسم بقدر لافت من الشك والحذر والريبة. ففي الوقت الذي كانت فيه حاضنة الفكر المتشدد تتسع كانت البيئة الثقافية تزداد انغلاقا وتعفنا تحت وطأة العزوف عن التعامل مع المعطيات الثقافية التي تفرزها فعاليات الحياة المعاصرة.

لقد بليت كل محاولات التجديد والتحديث والعصرنة التي بذلها رواد التنوير، حالمين بقيام دولة المواطنة الحديثة، في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات تترنح بين تعسف انظمة الاستبداد وقمعها وانسداد الآفاق أمامها وبين ما تقدمه الجماعات الدينية من وعود يمتزج في تركيبتها السحرية رخاء آخروي يزخر بالملذات بكفاية دنيوية، تعيد تعريف الهويات والفئات الاجتماعية، من غير المس بالتباين الطبقي الذي يعلي من شأن طبقة رجال الدين فوق الجميع.

وإذا ما كانت الانظمة السياسية القديمة قد تهاوت بسبب وهن داخلي أصابها، كانت بسببه معرضة للانهيار أمام أخف الرياح فإن المجتمعات التي أذلتها تلك الانظمة لأزمنة طويلة كانت هي الأخرى قد فقدت مناعتها بعد أن اخترقتها الجماعات والمنظمات الدينية المتشددة.

لقد عُبئت المجتمعات بكل اسباب الاخفاق في مقاومة التعصب والتشدد والتطرف، فكانت المناهج المدرسية وبالاخص ما تعلق منها بالتربية الدينية تحث على ممارسة التكفير والاكتفاء بالنظر إلى الآخر، غير المسلم بإعتباره أقل شأنا مما يعني تمزيق المجتمع على اساس ديني وأحيانا طائفي.

اما حين تجلت ظاهرة التشدد في أبشع صورها مع ظهور تنظيم القاعدة وصولا إلى داعش، فإن الحديث عن الجهاد والجهاديين لم يتوقف. ولا أبالغ حين أؤكد أن هناك غطاء شعبيا ومؤسساتيا للفكر المتشدد الذي يستمد منه الارهابيون قوتهم وقدرتهم على اقناع وتوريط الشباب في نشاطاتهم الاجرامية.

كل هذا التبني الشعبي لم يجر تلفيقه على عجل، بل استغرق بناءه زمنا طويلا، كانت خلاله انظمة الاستبداد لاهية عن الانزلاق بالمجتمعات إلى هاوية التشدد بحروب تشنها بين الحين والآخر على دعاة الحرية والعدالة الاجتماعية والتحديث وعلى محاربي الفساد والقمع وتمييع القوانين المدنية.

لقد كرست ثقافة العنف في بعدها المدني الميل المتنامي إلى العنف لدى أفراد المجتمع وهو ما استفادت منه الجماعات الدينية المتطرفة حين جرت جزءا من تلك المجتمعات إلى واديها.

وهكذا تحول العنف الديني إلى ثقافة شعبية، هي المرجعية التي تستند إليها الجماعات الارهابية في احتواء اعراض الشباب عن القبول بما تطرحه المجتمعات من حلول ترقيعية وتمردهم وانقطاع صلتهم بالعالم.

لذلك فإن الماكنة الاجتماعية لن تكف عن انتاج دواعش صغار، حتى وإن اختفت داعش فجأة. هناك من ثقافة العنف المترسبة ما يكفي لانتاج ما لا يمكن إحصاؤه من الجماعات الارهابية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
مشردو اليوم هم سادة المستقبل
2017-05-13
المزيد

 
>>