First Published: 2015-12-01

قياصرة وسلاطين

 

اسقاط الطائرة الروسية دليل آخر لأوروبا على أن لا مكان لسلطان متهور في القارة الأوروبية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لن تصعد روسيا في لهجتها المعادية لتركيا ولكنها ستجعل الامور تزداد صعوبة. فالأزمة التي نشأت بين البلدين بسبب اسقاط طائرة السوخوي لن تشهد انفراجا في وقت قريب. هذا يعني أن بوتين لن يستجيب للضغوط الاوروبية من اجل السماح لاردوغان بلقائه أو مكالمته.

كان الرئيس التركي قد ارتكب طوال العشر سنوات الماضية حماقات كثيرة، غض الغرب الطرف عنها، بالرغم من أن بعض تلك الحماقات يدخل ضمن نطاق المحرمات الغربية من جهة تعلقه بحقوق الإنسان.

ألهذا اعتبر اردوغان نفسه الابن المدلل للغرب في ظل تغاض متعمد عن شغبه المستمر ومشاكساته المزعجة؟ كانت ازمة اللاجئين واحدة من أكثر وسائل الاختبار والضغط التي مارسها اردوغان ازعاجا في هذا المجال.

لم يغضب الاوروبيون يومها من تركيا، بل أنهم حاولوا استرضاءها في ما بعد من خلال ما خصصوه لها من أموال لمساعدتها على تحمل أعباء ايواء النازحين السوريين. لقد تفهم الاوروبيون ما تتحمله تركيا من أعباء، هي فوق طاقتها.

غير أن الاوروبيين بدوا محرجين في مواجهة الاسقاط المتعمد للطائرة الروسية. فذلك الفعل العدواني يقع خارج قدرتها على التحمل والمسايرة، وبالاخص انه وقع بعد مؤتمر فيينا الذي شهد شيئا من الانفتاح الاوروبي على فكرة القبول بالتدخل الروسي في سوريا، بل وتغيير الاولويات في النظر إلى طبيعة الحل السياسي هناك.

وكما يبدو فإن السلطان العثماني من وجهة نظر اوروبية قد انحرف بالصراع البارد الذي نشب بين الغرب وروسيا بسبب تباعد وجهات النظر في شأن المسالة السورية إلى مرحلة التسخين التي تجاوزها الغرب حين أعلن استسلامه لوجهة نظر القيصر الروسي، التي تقدم محاربة الارهاب على الشروع بالمفاوضات السياسية.

لا أعتقد أن اردوغان كان غافلا عما يمكن أن يسببه تصرفه الطائش من احراج لدول الاتحاد الاوروبي الذي هو في أمس الحاجة إلى استجداء رضاها، تمهيدا لإقناعها بالقبول بتركيا عضوا في الاتحاد.

ربما فعلها ليمتحن أوروبا. غير أنه كما أرى لم يفعلها إلا بعد حصوله على الضوء الاميركي الأخضر. وهنا يمكننا توقع أن تكون الولايات المتحدة هي التي رغبت في امتحان الاوروبيين من خلال اسقاط الطائرة الروسية وكان اوردغان كماشتها.

فالفعل الذي لم يكن ضروريا بالنسبة للامن والسيادة الوطنية التركية كانت له آثار سيئة على الموقف الروسي من مشاركة الغرب في الحرب على التنظيمات الاهابية. ذلك لان تركيا وهي عضو في حلف الناتو حين اسقطت السوخوي فإنها عبرت عن موقفها المتواطئ علنا مع الارهاب.

اردوغان الذي أغضب روسيا ارضاء للولايات المتحدة كان قد أغضب أوروبا في الوقت نفسه. فروسيا بالنسبة للاتحاد الاوروبي ليست الاتحاد السوفييتي كما أنها لا يمكن أن تُقدم سلطانا عثمانيا يتزعم حزبا دينيا في بلد فيه من المسلمين ما يزيد على السبعين مليونا على قيصر روسيا الذي تجري الدماء الاوروبية في شرايين شعبه.

مهما فعل اردوغان فإن المعادلة لن تكون لصالحه.

ما لم يفكر فيه الرئيس التركي أن تركيا هي في حاجة إلى أوروبا، أما الولايات المتحدة فيمكنها أن تنتظر. ما يمكن أن تقدمه أوروبا إلى تركيا تعجز الولايات المتحدة عن تقديمه. وهو ما يعرفه الاتراك جيدا، لذلك لم يفقدوا الامل في إمكانية الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، بالرغم من الصد المهذب الذي واجهوه.

فتركيا التي هي جزء من الكيان السياسي الوهمي الذي أطلقت عليه تسمية الشرق الأوسط لا ترى نفسها إلا في عضويتها في الاتحاد الاوروبي. هناك يمكنها أن تُجلس السلطان العثماني إلى جانب مَن غدروا به في بدايات القرن العشرين.

غير أن اردوغان تصرف بصبيانية حين جعل من القيصر الروسي عدوا.

وهو ما ستدفع تركيا ثمنه على المستوى الاوروبي.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
المزيد

 
>>