First Published: 2015-12-01

لبنان: الأسد يأتي بفرنجية رئيساً!

 

سعد الحريري أدرى بما يملك وأعلم بما لا يسيطر عليه في الدوامة الدولية والإقليمية والمحلية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يروي الزميل جورج بكاسيني في كتابه "الطريق إلى الإستقلال" أن الرئيس رفيق الحريري استطلع مع الوزير سليمان فرنجية امكانيات قبوله بدعم الحريري له كمرشح لرئاسة الجمهورية. كان ردّ فرنجية حاسماً في ما مفاده: أن من يأتي بي رئيساً هو بشار الأسد ولا أحد غيره.

كان ذلك قبل اغتيال الحريري وقبل انسحاب القوات السورية وقبل ارتخاء الوصاية السورية عن لبنان، فيما المداولات الحالية تعيدُ تلميع فرنجية مرشحاً رئاسياً جدياً بمباركة الرئيس سعد الحريري، من ضمن ما يشبه الانقلاب الغير منطقي والغير مفهوم في موسم الورشة الكبرى حول سوريا.

تحمّل سليمان فرنجية وزر حدث اغتيال الحريري كونه كان وزيراً للداخلية مسؤولاً مباشراً على الأجهزة الأمنية التي فشلت في حماية زعيم كبير بحجم الحريري، فيما تواطأ بعضها للفلفة القضية وتشوية مسرح الجريمة. قبل ذلك كان الرجلُ من أنشط من شنّ الحملات ضد الحريري الأب واصفاً إياه بـ "أفعى" قريطم التي يجب قطع رأسها. وهذا ما حصل، اغتيل الرجل و"قطعت رأس الأفعى".

"انقلاب" سعد الحريري باتجاه سليمان فرنجية ليس حدثاً استثنائيا مدوياً، فالحريري الإبن سبق أن زار بشار الأسد في دمشق ونام بقصره "من أجل مصلحة لبنان"، فلا غضاضة من أن يتبنى امكانية إيصال سليمان فرنجية "الصديق الشخصي" للأسد إلى قصر بعبدا "من أجل مصلحة لبنان" أيضاً. لكن في التمرينين ابتذال للسياسة وتحويلها إلى سلوك منفعي ماكيافيلي يجوز داخله ممارسة الشيء ونقيضه، حسب منتقدي خطوة الحريري هذه الأيام.

لا لوم تبسيطيا متعجّلا لمقاربة سعد الحريري الجديدة، فالرجل أدرى بما يملك وأعلم بما لا يسيطر عليه في الدوامة الدولية والإقليمية والمحلية المتعلّقة بالتحوّلات الجارية في المنطقة برمتها. يسجّل للرجل أنه، ومنذ بدء أعمال المحكمة الدولية بشأن إغتيال والده، قد أعلن أن أمر الأغتيال منوطٌ بالمحكمة، بما فُهم أن فتح الملف قضائيا يقفله سياسياً، بما يتيحُ له التحرر من التزامات شخصية ويحصّن جهوزيته لولوج دروب وخيارات مرنة يحتاجها العمل السياسي في البلد. يومها لم يستجب الخصوم بقيادة حزب الله، وواصلوا إقفال البلد بوجه الزعيم السني الأول في لبنان.

لا يملكُ اللبنانيون تقرير مصير مفصلي كانتخاب رئيس لجمهوريتهم. الأمر ليس جديداً في تاريخ لبنان في الأحوال العادية نسبياً منذ "استقلاله"، فما بالك بالبيئة الدراماتيكية الحالية التي تحشرُ دول العالم في المنطقة تحت الشرفات اللبنانية. وفق ذلك يتحرك الحريري، استجابة لمزاج دولي إقليمي يدفع بهذا الإتجاه، ولا طائل من استغراب المستغربين اللبنانيين الذين لعب هذا المزاج دائماً دوراً أساسيا في تشكّل اصطفافاتهم.

وسواء أوصلت التسوية سليمان فرنجية إلى سدّة الرئاسة أو لا، فقد بات من الواضح انتهاء "تقليعة" المعسكرين 8 و14 آذار، التي راجت استجابة لميزان إقليمي دولي بات يحتاج لموازين أخرى. فالإنسجام النسبي داخل المعسكر اللبناني "الممانع" الشديد الانكشاف لمصير الأسد في دمشق، يقابله انسجام مفقود داخل المعسكر اللبناني "السيادي" المتفتت وفق حسابات المصالح والمواقع البعيد جداً عن روحية "14 آذار" من عام 2005.

تصدّعت الحدود بين المعسكرين منذ الحوار الذي جرى بين ميشال عون وسعد الحريري لاستطلاع الامكانات الرئاسية، ومند "التفاهم" بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، ومنذ أن التحق سمير جعجع بالقانون الأورثوذكسي بعيدا عن رغبة حلفائه في تيار المستقبل، ومنذ العلاقة الشخصية المتينة بين نديم الجميل وسليمان فرنجية، ومنذ الخلاف البنيوي بين نبيه بري وميشال عون، ومنذ أن بات السياسي السنّي عبدالرحيم مراد المقرّب من دمشق يتردد على الرياض فيما نجيب ميقاتي، صديق الأسد، يحزم الحقائب بنفس الإتجاه.

توارى الساسة المسلمون، سنّة وشيعة، خلف شعار يقول أنهم مع الرئيس الذي يتفق عليه المسيحيون. كان واضحاً أن الشعار لا ديمقراطي ولا جمهوري كون الرئيس هو لكل اللبنانيين ويجب أن يكون مقبولاً من اللبنانيين جميعاً وليس من المسيحيين فقط. وكان واضحاً أن الشعار استرضائيٌّ هدفه الهروب من الاستحقاق والصاقه بخلافات مسيحية مسيحية لا يتحمل المسيحيون وحدهم وجودها. وفي الهمّة الجارية حالياً لرفع سليمان فرنجية إلى مصاف الرؤوساء، ما يفيدُ أن الرئيس ينتخبه مزاج سنّي شيعي متأثر بمزاج الرياض وطهران الذي يرعاه مزاج دولي غير عابئ بمزاج المسيحيين في لبنان.

تمّ لرفيق الحريري ما لم يتم لأي زعيم سنّي قبل ذلك في لبنان. بات الرجل الزعيم الأوحد للسنّة في لبنان بعد أن كان ولاؤهم في البلد متوزعاً على زعماء ورجالات قليلاً ما كان ودّ بينهم. ورث سعد الحريري هذه الزعامة بالقوة التي أتاحت له "تبليع" جمهوره زيارة الأسد في دمشق، وبالقوة المستمرة التي تتيح له "تبليع" جمهوره تأجير "صديق الأسد" قصر بعبدا للسنوات الست المقبلة. وما الانتقادات "الوجاهية" التي شنّها النائب السنّي الطرابلسي مصباح الأحدب للحريري (حول كرامة السنّة التي ليست للبيع)، إلا مخاض طبيعي لولادة قيصرية يفترض أنها "طبيعية" لكنها غير عادية.

لكن السؤال يكمن في السرّ الذي يقف خلف احتمالات استجابة الحريري للقبول برئيس يجاهرُ بقربه التاريخي العائلي من دمشق ونظامها وعدم القبول بميشال عون الحديث التعامل مع دمشق نسبياً. ثم ما الحكمة من موافقة الرياض على إيصال صديق الأسد لقصر بعبدا فيما جهدها المعلن يسعى لإبعاد الأسد عن قصر المهاجرين؟ فإذا كان الأسد راحلا في الحسابات السعودية فلماذا فرنجية رئيساً؟ وإذا كان الأسد باقيا نكاية بحسابات الرياض فلماذا رعاية فرنجية رئيساً؟ ثم إذا كان سليمان فرنجية هو ثمرة تقاطع سعودي إيراني دولي فما سرّ هذا التوافق بين الرياض وطهران في لبنان وفي هذا الوقت، فيما المواجهة بين العاصمتين مفتوحة ميدانيا في سوريا واليمن على الأقل؟

هي أسئلة الساعة التي ستفرج عن أجوبتها الساعة القادمة، لكن الوجهة المنطقية تفضي إلى استشراف مآلات تأتي برئيس تثق به طهران (وحزب الله) ولا تنفر منه الرياض (التي لم يوجّه فرنجية لها أي انتقاد)، يَطمَئن له الشيعة ولا يستفزُّ السنّة (كما استفزّهم ميشال عون في تهجمّه عليهم)، تروق له العواصم الدولية وتعتبره المناسب لمواكبة التحوّلات الدمشقية المقبلة. في ذلك أيضاً أن تسوية من هذا النوع تمهّد الطريق لإنسحاب حزب الله من سوريا وانكفائه لداخل لبناني برئاسة فرنجية، بما يشكّله هذا الانكفاء أيضاً من احتمال نهاية لحقبة الأسد في دمشق تعوّضها حقبة فرنجية في لبنان.

منذ دعوة السيد حسن نصرالله للتسوية الشاملة، كان واضحاً أن تلك التسوية قد تكون على مقاس سليمان فرنجية. كان السفراء الأجانب (لا سيما الأميركي) قد أوحوا بذلك. أخرج الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الإسم إلى العلن، تلقف سعد الحريري الإشارة وذهب باتجاه ما أسمته أوساطهُ تسوية جدية. يدركُ سليمان فرنجية السمّات الجديدة لدوره، فيتقدّم بخطاب توفيقي اجماعي يجاري الرياح المستجدّة.

سيتضررُ المتضررون في لبنان من احتمالات فرنجية الرئاسية، وسيعمل الرعاة الإقليميون على تدوير الزوايا والسيطرة على ما ينشأ من نفور. وقد يقتنع المشككون أن فرنجية بوجود الأسد في دمشق قد يكون مختلفاً، وربما يتيماً، بدونه في أي تسوية قيّد الانجاز (ربما هنا يكمن حراك الرياض). في الوقت عينه تناقشُ العواصم مصير الأسد في بورصة يومية تتحركُ بعصبية بين ابعاد وابقاء، في ذلك الموسم يتمّ اختيار سليمان فرنجية. ربما الرجل على حقّ: "لن يأتي بي إلى الرئاسة إلا بشار الأسد".. أو ما يُحاك حوله.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم جمال بلعة
الدولة لبنان

السياسة مصالح ومنافع وقليلا ما تلتصف بالاخلاق والمبادئ ليست لافتقاد السياسيين لذلك فقط، بل لأن السياسة من بداية التاريخية هي تماماً كما يشرحها ماكيافيلي في الأمير...

الغاية تبرر الوسيلة

وما نحن الا وسائل

2015-12-01

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>