First Published: 2015-12-01

الماضي ليس متحفا

 

قبل خمسين عاما كان الله عندنا غير الله اليوم الذي ملأ المتطرفون قلبه بالطعنات في كل عملية قتل باسمه وعلى الهوية وباسم الدفاع عن الملة والطائفة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الماضي عند العراقيين ليس متحفا للذكرى وإنما استعادة لما هو مفقود من حياتهم اليوم، إنه أمنية، العراقيون يريدون السكن في الماضي هربا من حاضرهم الآسن. فهو وإن ارتبط بالذكرى فإنه، وفق اعتبارات التطور، لا ينبغي أن نسكن في الماضي، لكن لا أحد يتمنى الماضي أن يكون حاضرا إلا هم!

العراقيون الأضعف بين البلدان على خارطة التواصل عبر توتير لسبب ما، ربما مرتبط بالثقافة السائدة أو التي سادت بعد أكثر من عقد من سيطرة الأحزاب الدينية والطائفية، وهذا يفسر طبيعة الأفكار التي يقترحونها في الهاشتاغات، فهي على الأغلب تنم عن سطحية ومباشرة، موغلة في اللهجة الدارجة ومفتقدة للحس المدني بعد أن تريّفت بغداد وسادت ثقافة القرى والمساجد والحسينيات.

ومن بين الهاشتاغات التي تداولها العراقيون هذا الأسبوع “غرد كأنك بعام 2025″ وهو توق إلى الأمل في أن يتغير واقعهم بعد سنوات، لكن غالبية التغريدات المتفاعلة كانت ساخرة متهكمة إما من سياسي المنطقة الخضراء وإما من الواقع المعيشي الفاسد، الأمر الذي دفعني إلى اقتراح معادل ماضوي لهذا الهاشتاغ، فلماذا لا يكون قبل 25 عاما أو حتى 50 عاما؟

في ذلك الزمان كان أحد أقاربي مسكونا بغناء فاضل عوّاد، فهو عندما يردد “عيني يم عيون تضحك” أو “كلمة حبيبي انتهت” لا يعبأ بالمحيطين به مهما كانت درجة أهميتهم الاجتماعية بالنسبة إليه، لأنه يغني من أعماق ملتاعة بتعبيرية مثل الأغاني آنذاك، ليس المهم قيمة صوته بقدر إحساسه بالحرية التي يمنحها له الغناء. كان يغني إن كان سعيدا في حين أو حزينا في أحيان.

وبعد ربع قرن من الافتراق اتصلت به من دون أن تغفل ذاكرتي غناءه أو حديثه عن فاضل عواد والغناء الملتاع الذي كان مسكونا به، تحدثت بتلقائية عن سنوات قضيتها مع الدكتور فاضل عواد ما بين ليبيا وتونس وكيف أن هذا الفنان صار صوفيا مسكونا بالتراث وجدله، كنت أقربه أكثر من فاضل عواد الإنسان الذي كان ينظر إليه آنذاك أشبه بساحر تعبيري.

رد علي ببرود وكأنه لا يعرف المغني الذي كان مسكونا بغنائه، وقال لقد نسيت كل ذلك، ولم أعد أتذكره، لقد اتجهت إلى الله وحده!

يا الله أنجدني، فهل كنا في حضن الشيطان عندما غنينا معا؟

قريبي الذي يمتلك من الوعي والتجربة ما يكفي ليحدد مسار حياته وجد في الغناء عائقا يمنع تقربه من الله، لذلك محا ذاكرته!

قبل خمسين عاما كان الله عندنا غير الله اليوم الذي ملأ المتطرفون قلبه بالطعنات في كل عملية قتل باسمه وعلى الهوية وباسم الدفاع عن الملة والطائفة.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>