First Published: 2015-12-02

لعبة الاصلاحي الطائفية

 

مَن يدعو إلى بناء دولة عابرة للطوائف لا يمكن أن يسمح لنفسه بالظهور في مشهد فلكلوري رث.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بعيدا عن السياسة وقريبا منها اتساءل "هل كان حيدر العبادي وهو رئيس وزراء العراق مضطرا لارتداء الدشداشة وهي زي شعبي عراقي والذهاب مشيا إلى مرقد الامام الحسين ليشارك في احياء اربعينيه؟"

الرجل الذي حاول أن يكون اصلاحيا في محاولة منه لانقاذ وهم الدولة العراقية من الانهيار، أنكرتها عليه جماعته الحزبية قبل أن تلتحق بها الكتل السياسية الأخرى التي تتألف منها حكومته يعلن وبطريقة مبتذلة هذه المرة عن انغماسه الشعبي في التقاليد الشعبية للطائفة التي صعد باسمها رئيسا للوزراء.

لقد أعاده السباق الطائفي إلى شبابه، عضوا في حزب الدعوة. الحزب الذي يحكم العراق لأن العبادي هو أحد أعضاء ذلك الحزب. وهي مفارقة لم ينتبه العبادي نفسه إلى ما تنطوي عليه من مكر.

العبادي ليس ماكرا قياسا بسلفه المالكي. لذلك اضطر أن يتخلى مؤقتا عن منصبه رئيسا للسلطة التنفيذية في عراق الملل والنحل ليكون شيعيا، بل ويمشي في تظاهرة شيعية، كما لو أنه نكرة لا يعرفه أحد.

من المؤسف أن تصل شعبيته إلى الحضيض. فالرجل لا يستحق ذلك. غير أن ماكنة أعدائه الاعلامية كانت أكبر من استعداداته. سيكون من اليسير القول إن الرجل حاول أن يتصدى للفساد المستشري في أجهزة دولته وفشل، غير أن استمراره في الحكم فاشلا لا يمكن أن يبرر لجوءه إلى شراء التعاطف الطائفي بطريقة رخيصة.

صحيح أن شريحة الشباب التي تظاهرت من أجل نصرة توجهه الاصلاحي كانت في معظمها من الشيعة، غير أن مشروعه في الاصلاح كان قد اكتسب نوعا من التعاطف بين أوساط السنة، الذين شعروا لأول مرة بأمل التغيير.

لقد بدا أن هناك مشروعا وطنيا في طريقه إلى التبلور. وهو المشروع الذي تحمس له شباب الشيعة التي خرجوا في تظاهرات، بحثا عن وسيلة للخروج من عنق الزجاجة ومغادرة عراق المحاصصة الذي لم يكن عراقهم التاريخي.

كان العبادي الذي تم تعيينه بإتفاق أميركي ــ ايراني أشبه ببصيص الامل الأخير بالنسبة للعراقيين، غير أن مشهده وهو يمشي بملابسه الفلكورية بين حشود الذاهبين مشيا إلى مرقد الامام الحسين كان بمثابة طلقة الانتحار.

ما فعله العبادي كان متوقعا من رجل قضى سنوات شبابه رهين حياة حزبية ضيقة، كان التعصب الطائفي علامة مرورها إلى الآخرة، غير أن الرجل وقد صار رئيس وزراء، في بلد يتوزع الناس فيه بين ولاءاتهم المذهبية كان أقرب إلى الدنيا منه إلى الآخرة وكان في إمكانه أن ينصر الناس الذين نصروه في اصلاحاته.

ولكنه كان أضعف من أن يكون زعيما للتحول من الرؤية الدينية إلى الرؤية المدنية. لم يكن إلا رجل مرحلة، تبحث فيها الكتل الحزبية عن توافقات جديدة، تكون بديلة عن التوافقات القديمة التي أفتضح فسادها الذي انتهى بالعراق إلى الإفلاس.

العبادي كان رجل التهدأة في اللعب بين الكتل والأحزاب.

كان المالكي قبله قد سلم البلاد إلى فساد، قيل أنه لم يقع مثيل له منذ أن خلق الله آدم، غير أن المرحلة التي ستعقب حكومة العبادي ستشهد كما أتوقع فسادا منظما، سيخلو من كل الاخطاء التي اتسمت بها المرحلة السابقة.

العبادي الذي ذهب إلى مرقد الحسين في أربعينيته مشياً لن يكسب ما يتمناه من الدعم الشعبي، ذلك لان الشباب الذين دعموا اصلاحاته في ساحات التظاهر لن يسرهم أن يروا داعية الاصلاح وقد ارتد طائفيا. فمَن يدعو إلى بناء دولة عابرة للطوائف لا يمكن أن يسمح لنفسه بالظهور في مشهد فلكلوري رث، كان من الممكن تفادي المشاركة فيه، ولو عن طريق الاعتذار بإعباء الدولة.

لعبة العبادي الاصلاحية انتهت به طائفيا بلباس فلكلوري.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
المزيد

 
>>