First Published: 2015-12-03

داعش ليبيا أخطر من سوريا

 

فيما يراقب الغرب الخرق الأمني من جهة تركيا، توفر الفوضى في ليبيا أفضل فرصة للارهاب المتوجه صوب أوروبا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بما يدور في سوريا من تطورات عسكرية وتفاعلات سياسية، تتسارع خطوات تمترس تنظيم داعش في ليبيا، على مرأى ومسمع قوى كبرى تزعم أنها تقف بالمرصاد للإرهابيين، وتريد تخليص العالم من شرور داعش وأخواته.

الأيام الماضية، تسارعت فيها تحركات انتشار عناصر التنظيم في كثير من المناطق الليبية الساحلية والداخلية، وبدت الأمور تسير في اتجاه الإمساك بكثير من المفاتيح والخيوط على الأرض، والاستعداد للمرحلة المقبلة، قبل أن يتم تسليط الأضواء على ليبيا، التي أصبحت شبه منسية الآن، مع أن ما يدور فيها، لا يقل خطورة عما يدور في سوريا، التي جذبت أنظار العالم، وأضحت في مقدمة أجندة بعض القوى الإقليمية والدولية، وزادت الإثارة عقب احتدام المناوشات السياسية بين روسيا وتركيا.

ربما كانت مصر في مقدمة الدول التي حذرت من انتشار فلول المتطرفين في ليبيا، ومع ذلك لم ترد كثير من الدول المؤثرة، من داخل المنطقة وخارجها، التجاوب مع التحذيرات، بل أصرت على المضي قدما في سيناريو سياسي خبيث، بدا للوهلة الأولى أنه سوف يقود حتما للفشل، لكن لأن أطرافا أرادت المزيد من الوقت، مضت التصورات الخاطئة للحل السياسي، وكلما اقتربت ملامحه ظهرت مقدمات لتعطيله.

وحتى عندما توصل المتفاوضون في الصخيرات بالمغرب إلى ما يشبه الاتفاق، بدأت سلسلة من الأزمات تتفجر واحدة وراء أخرى، وعاد الوسطاء والمتفاوضون، يجرون أذيال الخيبة، يبحثون ظاهريا عن تسوية غائبة، ومعظمهم كان مرتاحا لهذا الغياب، لأنه يعني توفير الوقت، لتهيئة الأجواء لمزيد من الفوضى والانفلات، وأضحت العملية السياسية مطلوبة في حد ذاتها، حيث تبرئ ساحة قوى رئيسية في المجتمع الدولي، فهي توحي فقط أن هناك جهودا تبذل للحل.

وبينما تبدي هذه القوى انشغالها بالمعركة السياسية على طاولة المفاوضات، كانت هناك قوى أخرى منشغلة بمعارك أخرى على الأرض. فطريق التسوية المتهاون والطويل، منح داعش، وأنصار الشريعة، وكل الميليشيات التي نمت وترعرعت في أحضان الدولة الليبية، فرصة لتثبيت أقدامها في أماكن كانت بعيدة عنهم، وهو ما ضاعف من صعوبة التوصل إلى حل سياسي، بدون السماح لهؤلاء بالمشاركة فيه، أو على الأقل الحصول على مباركتهم، صراحة أو ضمنا، وبذريعة أن من يقبضون على زمام الأمور على الأرض لابد أن يكون لهم نصيبا، انتكست كل محاولات التسوية، البريئة والخبيثة.

الواقع أن تعثر المفاوضات في الأزمة الليبية، لم يكن مستبعدا منذ البداية في تقديرات قوى عليمة بالتعقيدات التي دخلتها، لكن الأبواب فتحت أمام الحلول السياسية ومددت بعض القوى حبالها، تمهيدا للحظة يبدو أن أوانها قد حان الآن، لحظة تتغير فيها الحسابات الإقليمية والدولية بشأن سوريا، وتبدأ فيها عملية حسم الموقف من وجود داعش على أراضيها، لأن استمرار عناصر التنظيم، يمثل تهديدا مباشرا لكثير من الدول الأوروبية، بحكم الجغرافيا، والولاءات والانتماءات، حيث من المتوقع أن تفضي أي تسوية سلمية أو حسم عسكري، إلى خروج داعش من المشهد العام.

لذلك كان الاستعداد متخيلا، بل قائما فعلا، والبديل جاهزا، ليبعد شبح التنظيم عن أوروبا، ولعل أحداث باريس والتي زج فيها باللاجئين السوريين، تؤكد هذه النتيجة، فقد ذاعت معلومات بشأن تسرب أعداد من الإرهابيين بين صفوف المشردين، بسبب اشتداد الحرب في سوريا، وتسربت عناصر داعشية إلى عدد من الدول الأوروبية، ثم قيل أنها ساهمت في أحداث باريس.

المسرحية التي افتعلتها بعض القوى الكبرى في سوريا، يبدو أنها أوشكت على فصلها الأخير، بعد أن دخلت موسكو بثقلها، وارتكبت تركيا حماقة إسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي السورية، ما جعلها مضطرة لسد منافذ حدودها، وأضحت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا غاية في الحرج، فإما أن تزج بحلف الناتو في مواجهة مباشرة ضد موسكو، المدعومة من قوى إقليمية ودولية أيضا، أو تنحني للعاصفة، وتسرع بوتيرة المفاوضات، لترتيب البيت السوري الجديد، بأقل خسائر ممكنة، قبل الالتفات لجدول الأعمال الليبي.

على وقع اشتداد طبول الحرب والسلام في سوريا، كانت ليبيا جاهزة لاستقبال المزيد من العناصر الإرهابية المنتمية لداعش، وهو ما يفسر أسباب عدم الحرص الغربي على ضبط السواحل الليبية مبكرا، وترك سفن تابعة لتركيا وغيرها بتهريب الأسلحة للمتطرفين في ليبيا، والأخطر استمرار حظر السلاح على الحكومة الليبية، للحفاظ على ميزان القوى المختل لصالح داعش وأشقائها الإرهابيين.

إذا كانت الأوضاع في سوريا، ومعها العراق، مريحة بالنسبة لعناصر داعش، ولقيت دعما كبيرا من جهات معلومة ومجهولة، فهي في ليبيا أكثر يسرا. ففي الضفة الأولى، كانت توجد عوامل كبح قوية تستطيع، إذا أرادت التحرك، أن توقف زحف التنظيم عند الضرورة، فهناك إيران وشيعة العراق والأكراد، فضلا عن الولايات المتحدة وتركيا، حيث بإمكان هذه الدوائر ضبط التطورات، إذا اتجهت إلى طريق يمكن أن يؤدى إلى خلط أوراق، لا يراد لها الاختلاط.

أما في الضفة الثانية (ليبيا) فعناصر الضبط والربط تكاد تكون غائبة، وربما مصر الدولة الوحيدة التي تقاتل بمفردها على هذه الجبهة، من حيث إحكام السيطرة على حدودها، وقدرتها على إلحاق الأذى بعناصر التنظيم داخل ليبيا، لأن دول الجوار الأخرى، لم تكتف بفشلها الجماعي في البحث عن حل مناسب للأزمة، لكن دولها لم تعد راغبة أو غير قادرة على مواجهة الثعابين القادمة من ليبيا.

جميع دول الجوار الليبي، بخلاف مصر (الجزائر وتونس وتشاد والسودان وأفريقيا الوسطى) تعاني من اختراقات داعشية، وتيار المتشددين توغل في أراضيها، وترفض الزج بنفسها في مواجهات خارجية، وبالتالي ضمن الإرهابيون في ليبيا قدرة عالية على التحرك في الداخل، والأدهى أنهم منفتحون على زملائهم في الخارج، عبر الحدود شبه المفتوحة في الدول السابقة، الأمر الذي وفر لهم غطاء إقليميا جيدا، إذا أضيف إلى الغطاء الدولي الذي لعب أدوارا مركبة للوصول إلى هذه النتيجة، تصبح داعش ليبيا أشد خطورة من نظيرتها في سوريا.

ومطلوب أن تنشط الدبلوماسية العربية خلال الأيام المقبلة لمناقشة مخاطر داعش في المنطقة عموما، لأن القرار الذي استصدرته فرنسا من مجلس الأمن مؤخرا، استثنى داعش ليبيا، في رسالة فاضحة تؤكد خطورة المعطيات السابقة.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>