First Published: 2015-12-09

صبيان الموصل.. أحزمة وقنابل

 

داعش منهمكة في صنع وإعداد أجيال مِن السلفيين الجهاديين يمثلون متفجرات ستملأ العالم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

أصبحت الموصل دولة أو ولاية مِن إمبراطورية إسلامية كبرى، حسب حلم جماعة «داعش»، ولا تحتاج سوى الاعتراف الدولي، فهي تُصدر وتستورد، تضع القوانين ولها علَم ونشيد، ومناهج تعليم تهيئ بها صبيان المدينة، والمناطق التي تُسيطر عليها، كمقاتلين وبُناة للدولة الجديدة! لخص زعيمها أبو بكر البغدادي الغرض مِنها، ووضع قوله على غلاف أحد مناهج الدّراسة «فقه الشريعة»: «ليأتين يوم يمشي فيه المسلم في كل مكان سيداً كريماً مهيباً..». ومعلوم أن المسلمَ المقصود هو مَن في رقبته بيعة للبغدادي، فما عداه حكمه الكُفر حسب تقليد الجماعة!

وفيما يخص الموصل، وددت إعادة التَّذكير بتجربة أحد فقائها، والتي تعود إلى قبل هيمنة «داعش» عليها بنحو 800 عام. جاء في الرواية، الموثقة من أبناء ذلك العصر: لما عاد الفقيه الشافعي أبو الفتح موسى بن يونس الملقب بكمال الدين (ت 639هـ/ 1241م) إلى مدينته الموصل «عكف على الاشتغال يُدرس بعد وفاة أبيه في مسجده، وفي مدارس كثيرة، وكان مواظباً على وظائفها، فأقبل عليه الناس، حتى أنه كان يقرئ أهل الذمة التَّوراة والإنجيل.. وشرح لهما هذين الكتابين، شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله» (ابن خِكان، وفيات الأعيان، والأسنوي، طبقات الشافعية).

كان يوم 10 يونيو 2014 يوماً فاصلاً بين موصل كمال الدين الشافعي وموصل أبي بكر البغدادي، فمنذ ذلك اليوم لم تعد هذه المدينة مختلطة الأديان والمذاهب كما كانت، ولم يبق فيها مسيحي ولا أيزيدي ولا شبكي، ولا سني غير مبايع، وبهذا يكون ذلك التاريخ مدشناً لعصر آخر، رمى وراءه تعايش القرون الخوالي، ليحل محلة الدِّين الواحد والمذهب الواحد، وتجريدها مِن كل التجارب البشرية التي عاشتها، ليس بالعودة إلى الماضي الذي يدعونه. وإذا كان نظام الجزية بأُصوله موافقاً لذلك العصر، فإنه لم يعد مناسباً لهذا العصر، وفي تطبيقه شيء مِن الإخلال بالمواطنة، بعد أن توصلت الخلافة العثمانية، تحت تأثير التطور العالمي، إلى إلغائه، على اعتبار أن أهل الملل والنِّحل مواطنون، ساهموا في حضارة الإسلام نفسها، وعلا شأن وجهائهم، مِن أطباء وكُتاب وفلكيين، في دواوين الخلفاء ومجالسهم.

غير أن أخطر ما سيأتي مِن دولة «داعش»، في الموصل وبقية المناطق التي تعلن عن نفسها بوصفها «دولة خلافة على منهاج النُّبوة»، هو انهماكها في صنع وإعداد أجيال مِن السلفيين الجهاديين، يمثلون متفجرات ستملأ العالم. فلدى «داعش» في الوقت الحالي إمكانات مادية قريبة من إمكانات الدول، ولها ديوان خاص بالتعليم، وقد أعلنت عن مناهجها التربوية لهذا العام، وأهّلت بعض المعلمين السَّابقين لهذه المهمة، وذلك بعد استتابتهم مما علق في أذهانهم مِن مناهج الدراسة العراقية السابقة، وتحريم الدروس الخصوصية، وقيل إن الجماعة فرضت عقوبة الإعدام لمَن يُخالف ذلك، والبداية بفرض «التربية الجهادية» كمقرر دراسي للصفوف الابتدائية، وذلك بغية غرس الفكر الجهادي وتطويع الأبدان لتنفيذه. فدرس مثل التربية الرياضية لا مكان له في مدارس تنظيم «داعش»، والذي أنشأ صفوفاً جديدة تحت تسمية «الشَّرعي» لتدريس العقيدة.

من عناوين الدروس لصناعة المجاهدين، من غير التربية الجهادية، كتاب «الآداب الشرعية»، ودرس «الفقه»، و«عقيدة المسلم» الذي وضعوا على غلافه عبارة لابن تيمية (ت 728هـ): «قوام الدِّين كتاب يهدي وسيف ينصر»، ودرس «العقيدة»، والاختلاف بين الدرسين يأتي حسب اختلاف مراتب الصفوف، و«السياسة الشرعية» وضعوا على غلافه عبارة: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». وحسب عُرف الجماعة أن البيعة للبغدادي لا لغيره.

أما درس اللغة العربية فجاء على غلافه، ما يؤكد أن هذا الجيل يُعدُّ لغزو العالم، وتحقيق ما ورد في كلمة البغدادي سابقة الذكر: «كنا جبالاً فوق الدبال وربما/بمعابد الأفرنج كان آذاننا».

أقول: ماذا كان يصنع أبو الفتح كمال الدين، وماذا تصنع جماعة «داعش»؟ إن الرجل ساهم في تدعيم ما استمر سائراً بالموصل من تعايش مريح، حتى هيمنت «القاعدة» (بعد عام 2003)، فذبحت رهباناً وطلاباً، ثم فرضت «داعش» سياسة التوحّش. ماذا تعلم أبو الفتح وماذا تعلم البغدادي؟ كانت رسالته إنسانية الدِّين ورسالة الأخير توحش التدين.

هنا تكمن خطورة استمرار «داعش» بالموصل، وبيدها مقاليد «دولة»، سيحار العالم بصبيان الموصل المدججين بأفكار التكفير وممارسة التوحش إذا ما انتشروا. فلا تتعجبوا إذا قلنا: الموصل «قراقوم» عصرنا، فالمقاتلون تعلموا شراسة الغزو في مدارسها، ويومها قُلل مِن شأنها حتى دكت جحافلها بغداد (656 هـ).

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
الحسين.. عامل وحدةٍ لا فُرقة
2016-11-23
معرض الشارقة.. مواجهة الفكر الهدام
2016-11-16
أمّ الربيعين.. «يا مَن فقتِ حسنهما»
2016-11-09
المزيد

 
>>