First Published: 2015-12-09

منازل أم مكاتب!

 

الأمراض التي تسببها أعمال المكاتب الشاقة ليست قليلة، لكنها ستتضاعف إن تحول المنزل إلى مكتب صغير وسيفتقد الدعة والهدوء والاسترخاء وسيلبد المحيط الأسري.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

العمل في البيت يعني الخمول

لأنها سيدة بيت ومديرة تنفيذية لكبرى الشركات في العالم، تدرك ماريسا ماير الرئيسة التنفيذية لشركة ياهو، الخمول والوهن وموت الأفكار الذي يسببه العمل من داخل البيوت، لذلك حظرت العمل من المنزل.

المنازل لا يمكن أن تفقد التعريف التاريخي لها بصفتها المكان الذي يجب أن يقبلنا عندما نذهب إليه وفق تعريف منظر جماليات المكان غاستون باشلار، وتصبح مكاتب للعمل لمجرد أن التكنولوجيا أزالت الجدران بين المكتب والدار.

من البساطة تخيل رئيس قسم كيف يعمل من المنزل ويتواصل على الإنترنت مع عشرة من الموظفين العاملين بمعيته. لن يكون حريصا على حلق ذقنه كل صباح ولن يغير ملابس النوم وقد يضع صحن طعام جواره بطريقة غير مرتبة فيما هو يتحاور مع العاملين معه حول مشروع يقتضي أقصى درجات اليقظة والدقة.

ومن البساطة أيضا تخيل تذمر زوجته وهي تلاعب الأطفال وتهدئ من ضجيجهم كي لا يؤثروا على والدهم السيد المدير الذي أدار المنزل مكتبا بفضل الكمبيوتر وجعل البيت مغارة خالية من النوافذ. صورتان لا تتشابهان لواقع جديد صار شائعا في قطاع الأعمال، أن يكون الموظف في المكتب ليس معادلا حيويا في أي حال من الأحوال لعمله من المنزل.

منذ سنوات يشيع مؤيدو فكرة العمل من المنازل أن أسعار البيوت في طريقها إلى الانهيار بشكل غير مسبوق بعد أن ينتهي دور المكاتب وتتحول كل المباني الكبرى إلى شقق سكنية، فلا أحد من الموظفين سيذهب إلى المكتب بما أنهم قادرون على العمل من بيوتهم.

هذا التفاؤل المفرط لم يحقق ولا درجة واحدة من التقدم وبقيت أسعار البيوت في تصاعد مطرد. لكن الذي تحقق فعلا أن نسبة كبيرة من الموظفين الذين يقضون ثماني ساعات أمام الكمبيوتر في منازلهم بملابسهم البيتية أصيبوا بالاكتئاب والإجهاد العالي وتلبدت أجواء علاقاتهم الأسرية.

الأمر الذي دفع الكاتب البريطاني سايمون جنكينز إلى التنبيه لخطر الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي، مستشهدا بتفسيرات علمية تشير إلى أن التطبيقات الإلكترونية للكمبيوتر تساهم في إبطاء النمو الطبيعي للدماغ، والإدمان على الإنترنت يضعف التجربة العقلية في تدرجها، فيما يسعى الإنسان بطبعه إلى الرقي بذاته وعدم الوقوع أسيرا في واقع افتراضي.

الأمراض التي تسببها أعمال المكاتب الشاقة ليست قليلة، لكنها ستتضاعف إن تحول المنزل إلى مكتب صغير وسيفتقد الدعة والهدوء والاسترخاء وسيلبد المحيط الأسري، ومن الممكن أن يصل الحال بالزوجة إلى النظر إلى الكمبيوتر على أنه أشبه بضرة لها!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>