First Published: 2015-12-09

سوق المعارضة المعتدلة

 

نوع المكافأة التي نالتها المعارضة العراقية يوم احتل العراق دفع المعارضين السوريين لأن يبدأوا من حيث انتهى العراقيون.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

قبل اقل من ربع قرن من الزمن لم تكن معارضة الانظمة العربية تجلب إلى مَن يمارسها إلا النكد والعيش في ظروف سيئة، متنقلا من مكان إلى آخر مذعورا، مطاردا من قبل اشباح قتلته المتوقعين.

في أرقى حالاتهم فإن المعارضين نجحوا في اقناع دوائر الهجرة في بلدان اللجوء في أوروبا بمنحهم حق اللجوء بسبب تعرض حياتهم إلى الخطر. وهو ما شكل نوعا من الترف بالنسبة للمعارضين الذين لم تتح له الفرصة لمغادرة بلدانهم أو الخروج من دائرة التواطؤ العربي.

كان المعارضون الذين فلتوا من السجون يضعون أيديهم على قلوبهم كلما سمعوا بإنعقاد مؤتمر لوزراء الداخلية العرب.

كانت تلك المؤتمرات تتميز دائما بنجاحها، من جهة ما تحظى توصياتها به بالاجماع، بعكس كل المؤتمرات الآخرى، بضمنها القمم العربية.

مَن نجوا من سوء العاقبة بسبب معارضتهم الخفية لأنظمة الحكم التي كانت قائمة في سوريا والعراق وليبيا يعرفون جيدا أن معارضا حقيقيا لم ينجُ من بطش تلك الانظمة التي كانت أجهزتها الامنية تملك حدسا خياليا في الكشف عن المعارضين قبل أن تنفض اجتماعاتهم السرية.

المعارضون الحقيقيون قضوا تحت التعذيب، من غير أن تلتقط منظمة العفو الدولية لأنفاسهم الأخيرة أثرا. القليل الذي كتبت له السلامة كان يصلى بنار التشرد والخوف والريبة بين جهات الارض، متلفتا يمشي في انتظار اليد التي ستصوب إليه رصاصتها.

غير أن التخطيط لإحتلال العراق الذي بدأ في تسعينات القرن الماضي قلب الكثير من المعادلات وهو ما استفادت منه شريحة من المعارضين الذين وضعوا الرغبة في الانتقام من الانظمة فوق كل اعتبار.

يومها تدفقت الاموال على اولئك المعارضين وصاروا يحظون بلقاءات تجمعهم بعلية القوم في أجهزة المخابرات العالمية تمهيدا لتقديمهم إلى المجتمع الدولي بإعتبارهم أصوات الحرية ودعاة الدولة المدنية وبناة التجربة اليمقراطية المستقبلية في بلدانهم.

يومها صار العمل في المعارضة مربحا، في ظل تبدل في الظروف الدولية والاقليمية التي لم تكن في صالح الانظمة المستبدة التي ضعفت أجهزة مخابراتها، على الاقل على المستوى الخارجي.

نوع المكافأة التي نالتها المعارضة العراقية يوم احتل العراق من قبل الولايات المتحدة يمكنه أن يعطينا فكرة عن حجم الفساد الذي انتهى إليه المعارضون من جهة تحولهم إلى ادلاء ذليلين لمن يحتل بلادهم ويدمر دولتها ويبيد شعبها ويبدد ثرواتها في أكبر عملية سرقة شهدها التاريخ.

المعارضون السوريون بدأوا من حيث انتهى العراقيون.

فما أن بدأ الحراك الشعبي المعارض لاستمرار دولة البعث في سوريا حتى سارع عدد من المعارضين إلى وضع أنفسهم في خدمة أجهزة دول، لم تتميز مواقفها بالحرص على سوريا بقدر ما أتسمت تلك المواقف بما يناقض ذلك.

لم يكن مطلوبا من أولئك المعارضين أن يكونوا ملائكة. كان المطلوب منهم أن يكونوا معتدلين بالمعنى الوطني، لا بالمعنى الذي صارت سوقه اليوم رائجة. فمَن هو المعتدل وما هو مقياس الاعتدال في حرب، دفع السوريون ثمنها من غير أن يتعرفوا على أهدافها؟

لقد عرض الائتلاف الوطني السوري بلسان زعيمه الحالي على جبهة النصرة أن تفك ارتباطها بتنظيم القاعدة لتكون جماعة معتدلة. ألا يستدعي ذلك العرض ضحكا هو أشبه بالبكاء؟ تاريخ من الارهاب يمكن التغاضي عنه بمجرد خطاب، يكون بمثابة بداية لتاريخ جديد.

أكان ذلك العرض ضروريا؟

مشكلة الائتلاف التي سيواجهها في المؤتمر الذي ترعاه المملكة العربية السعودية من أجل اختيار أعضاء وفد المعارضة في المفاوضات مع النظام أنه لم يكن في مستوى الرهان الدولي. هناك ممثلون عنه في كل مكان من العالم غير أنه لم يكن يملك مَن يمثله على الارض السورية.

لا يجرؤ الائتلاف على اتهام واحدة من الجماعات المسلحة التي تقاتل في سوريا بالارهاب، خشية أن تكون تلك الجماعة ممولة من هذا الطرف أو ذاك من الاطراف التي ترعى الحرب السورية.

لم يبق لدى معارضي الائتلاف سوى أن يقولوا "اخوتنا الارهابيون" لكي يكونوا معتدلين في القبول بالقتلة جيرانا لهم في المعارضة. ستكون المزحة أكثر سوادوية في مؤتمر الرياض. السباق على أشده، بالرغم من أن الربح لن يكون مضمونا.

"معارضة سورية برعاية سعودية" لم يعد عنوانا مثيرا للشبهات، المهم أن تكون تلك المعارضة معتدلة. أعتقد أن الفكرة أكبر من أن يستوعبها عقل سليم. فسوريا التي عاشت القتل في مختلف مستوياته لا يمكنها أن تنتج الآن معتدلين.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
ليتها لا تكشف عن الأدلة
2017-08-21
ليست وحدة العراق من أهداف حزب الدعوة
2017-08-20
متى تتخلى قطر عن الاخوان؟
2017-08-19
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
المزيد

 
>>