First Published: 2015-12-12

العراقيون يهربون إلى الامام

 

تراهن إيران على أن يستمر العراقيون في غيبوبتهم التي هي في جزء منها تجسيد لهلعهم الطائفي الذي تمت تغذيته بالمنشطات طوال السنوات الماضية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هي جملة جاهزة. لشدة ما تكررت تكاد أن تكون من غير معنى. ماذا يحدث لو أن العرب قد قرروا أن يهربوا إلى الوراء بدلا من من أن يهربوا إلى الامام؟

في حقيقة أوضاعهم فإن الوراء لا يشكل حيزا للهروب. ما من مسافة يمكن للمرء أن يحرك قدميه فيها. الماضي هو عبارة عن لغم يمكن أن ينفجر في أية لحظة، لذلك يفضل العرب أن يقفزوا إلى الفراغ، هناك حيث المشكلات، كما يظنون أقل وطأة.

بسبب هروبهم من مواجهة اسئلة المرحلة التي يعيشونها في كل مرة يعجزون فيها عن ادارة أزماتهم فقد تكدست مشكلاتهم، بعضها فوق البعض الآخر، فصار ركامها أشبه بالجبل الذي يستحيل النظر من خلاله إلى المستقبل.

كم يلذ للبعض أن يقولوا "لا ضوء في نهاية النفق".

ولكن مَن حفر ذلك النفق ومَن أطفأ المصابيح كلها؟"

سأكون واقعيا فأضرب مثالا ساذجا مستلهما من شريط الاحداث السياسية في العالم العربي، وهو شريط تمتزج من خلاله المأساة بالملهاة فيتعكر مزاج الحقيقة بما يتركه مرور الزيف من أثر كريه.

سياسيو العراق منزعجون من رغبة الولايات المتحدة في المشاركة البرية في عمليات طرد "داعش" من بعض المناطق العراقية المحتلة.

لا بأس. إنه شعور وطني طيب. ولكن السياسيين أنفسهم لا يملكون حلا لمشكلة مصيرية مر عليها أكثر من سنة ونصف، من غير أن يرى أحد بصيص أمل، يشير إلى أن تلك المشكلة في طريقها إلى الحل.

الانبار ونينوى وهما كبريا المحافظات العراقية مساحة لا تزالان محتلتين.

ولأن الدولة العراقية لا تملك جيشا، بعد أن اتضح أن أن الجزء الأكبر من قوة ذلك الجيش البشرية كانت عبارة عن جنود فضائيين فقد صار عليها أن تطلب العون من صديقتها الولايات المتحدة، الدولة المسؤولة عن كل ما أنتهى إليه العراق من كوارث ومآس.

الواقع يقول "إن من واجب الولايات المتحدة أن تنقذ العراق مما تسببت به سياساتها". غير أن سياسيي العراق بسبب تحالفهم العبثي مع ايران لا يرون ذلك.

من جهتها فإن الادارة الاميركية التي عرفت بحنكة ودهاء كيف تنجو سياسيا وعسكريا من المستنقع العراقي في الوقت الذي حافظت فيه على مصالحها الاقتصادية لا يغيضها انتقال سياسيي العراق إلى الضفة التي ترفض استقبال جنودها على أرض العراق. بل قد يشكل ذلك الحدث سببا لسرورها.

بعدها سيكون داعش مشكلة عراقية، يقع حلها على العراقيين من غير أن يكون للمجتمع الدولي دور يذكر.

ولكن العراقيين وإن انتقلوا إلى هذه المرحلة لا يملكون حلولا لمشكلاتهم المتراكمة التي أدت في واحد من أكثر وجوهها خطرا إلى افلاس الدولة، بعد أن تبين أن الاتفاقيات التي عقدت مع شركات استخراج النفط العالمية ستحرم العراق من ايراداته المالية، بسبب فساد الجهة العراقية التي وقعت تلك الاتفاقيات.

حلهم الوحيد أن يؤلبوا الشعب المتعب ضد الغزو الاميركي الجديد.

صفحة جديدة من صفحات اللعب المسلي، يديرها السياسيون العراقيون ليستمر الشعب في تأجيل سؤاله الذي يتعلق بالمصير.

هناك تهديد أميركي بالإحتلال كما لو أن الولايات المتحدة لم تكن من قبل هي الدولة التي احتلت العراق وحطمت دولته وحلت جيشه وخطفت قيادته الشرعية ومزقت نسيجه الاجتماعي وسلمته للقوى الاقليمية بإعتباره رجل العصر المريض.

ولكن هل سينفع الهرب إلى الامام سياسيي العراق هذه المرة؟

ايران التي صارت صاحبة القرار السياسي في العراق تراهن على أن يستمر العراقيين في غيبوبتهم التي هي في جزء منها تجسيد لهلعهم الطائفي الذي تمت تغذيته بالمنشطات طوال السنوات الماضية.

غير أن العراق صار ثقيلا بمشكلاته وهو ما سيمنعه من القاء أية خطوة على الطريق التي تقوده إلى الامام.

لا تنفع التظاهرات المنددة بالاحتلال التركي أو مشروع التدخل الاميركي أحدا.

لن تكون تلك المسيرات سوى رسائل استعراضية، يوجهها السياسيون العراقيون، بعضهم إلى البعض الآخر.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>