First Published: 2015-12-13

مساحيق تجميل للعناوين الصحفية

 

التعديلات على قانون ممارسة التحرير الصحفي لا تبدو مفاجأة، لكن الجدل يكمن في تأكيدها بنص قانوني في بلد مثل بريطانيا يعد مركزا للديمقراطية وحرية وسائل الإعلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

فليت ستريت لم يتنازل عن قيمه في أسوأ الظروف

تدخل الصحافة البريطانية بداية من العام المقبل 2016 مرحلة ما يمكن أن يطلق عليه “عملية تجميل” لعناوينها ومتن قصصها الإخبارية، بعد النتائج المدمرة التي خلفتها عملية “الفن الأسود” بتنصت محررين في صحيفة “نيوز اوف ذا ورلد” على مشاهير وضحايا حرب العراق وأفغانستان، وما تبعها بعد ذلك من إصدار لـ“ميثاق شرف” يربط وسائل الإعلام أقرته ملكة بريطانيا.

وبعد أشهر من التحقيق وصف القاضي اللورد بريان ليفيسون العلاقة بين السياسيين البريطانيين والصحافة على مدى العقدين الماضيين بأنها “كانت مدمّرة لأنها (الصحافة) لم تنظّم نفسها بشكل صحيح”.

وأصدر ليفيسون تقريره حول أخلاقيات الإعلام من ألفي صفحة بعد استماعه إلى 184 شاهدا وقراءته للمئات من المذكرات المكتوبة، وانشغلت به وسائل الإعلام البريطانية ومازالت تداعياته مستمرة، حيث أعيد تنقيح قانون ممارسة التحرير الصحفي وأجريت عليه تعديلات وصفت بأنها الحد الأدنى بعد إقرار ميثاق شرف وسائل الإعلام.

وتركز التعديلات الجديدة للمدونة التي وضعت لأول مرة عام 1990، على أن الصحف مطالبة بدقة اختيار عناوينها والحرص على عدم تضمين أي معلومة غير معتمدة في نص القصة الإخبارية.

وقد أدرجت فقرة جديدة تطالب الصحف بعدم الإفراط في تفاصيل قصص الانتحار والقتل ومراعاة تقديم الإجراءات القانونية حول تلك العمليات.

وقد تم تعديل شرط التمييز العنصري ليشمل الحاجة إلى تجنب الإشارة الضارة أو تحقير لهوية الفرد بين الجنسين. من دون أن يشير التعديل الجديد إلى قلق الأقليات من استهدافها من دون محاسبة.

ديباجة القانون الجديد تؤكد أن من واجب المحررين حل الشكاوى بسرعة ونشر الأحكام القضائية كاملة، كما تصدر من المحاكم والتعاون في ذلك مع منظمة معايير الصحافة المستقلة.

كما تمت إعادة تعريف “المصلحة العامة” من أجل الامتثال لقوانين منع التشهير وحماية البيانات الشخصية للأفراد.

مثل هذه التعديلات لا تبدو مفاجأة لحساسية قيم الصحافة، لكن الجدل يكمن في تأكيدها بنص قانوني في بلد مثل بريطانيا يعد مركزا للديمقراطية وحرية وسائل الإعلام، الأمر الذي سبق وأن وصفه اليستر كامبيل السكرتير الصحفي الأسبق للحكومة البريطانية في زمن توني بلير، بتعرض مسافة أخلاقية بين الجمهور والصحافة إلى المس مثيرة اشمئزاز العالم.

لكن بول داكر رئيس لجنة التعديلات الجديدة على القانون أكد على أن مثل هذه التعديلات سوف لن تمس المعيار المقبول عالميا للممارسة الصحفية خصوصا بعد مرحلة ما بعد لجنة القاضي بريان ليفيسون.

مثل هذا الكلام يبدو أكثر هدوءا مما صرح به دارك من قبل بصفته رئيس تحرير صحيفة ديلي ميل البريطانية، عندما ناشد من أجل وقف العدائية تجاه الصحافة، واصفا تلك العدائية بأنها تهدد مستقبل صناعة واسعة النطاق.

مناشدة دارك السياسيين والشرطة “إسقاط العدائية” على اعتبار الصحافة الحرة كانت أحد العوامل التي تقف وراء المستوى المتدني نسبيا من الفساد في المملكة المتحدة.

فهو يرى أن مقررات لجنة ليفيسون، ثم الشرطة والسياسيين “جعلتنا مشبوهين!”، لذلك تبدو من الأهمية بمكان استعادة الاحترام المتبادل مع الصحافة لأنه يمنع إصابة الديمقراطية بالمرض.

لكن منتقدي التعديلات وصفوها بمجرد مستحضرات تجميل زائلة، وأن الصحافة ضحية خلافات ومصالح اقتصادية وسياسية، لأن فليت ستريت لم يتنازل عن قيمه في أسوأ الظروف التي مرت عليه من قبل.

واتهموا أعضاء اللجنة التي أجرت التعديلات على قانون ممارسة التحرير الصحفي بعدم وجود مصلحة لديهم في تنظيم مستقل وفعال للصحفيين.

التعديلات متاحة حاليا على تطبيق يحمل على الهواتف المحمولة في فرصة لاطلاع الصحفيين عليها قبل بدء العمل بها مطلع الشهر المقبل، مما يعني أن الجدل الذي يشهده فليت ستريت منذ سنوات لا يتوقع أن يخفت قليلا.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>