First Published: 2015-12-13

في الحرب السرية على الارهاب

 

الحرب على الارهاب ينبغي أن تبدأ بالحرب على ثقافته، على عناصره الفكرية التي تسللت إلى المجتمعات وصارت تنخرها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يتنقل ارهابيو داعش وسواه من التنظيمات الدينية المتشددة بحرية وبخفة بين المدن العراقية والسورية، بالرغم من غارات الروس والاميركان وحلفائهما من العرب والعجم.

يُقال إن هناك حاضنة شعبية تضمن لأولئك الارهابيين حماية تكفل لهم حرية الحركة وتجنبهم الوقوع في المصائد التي تنصب من أجل الايقاع بهم. فنادرا ما نسمع أن واحدة من قوافلهم الفخمة قد وقعت في الفخ.

غير أن تلك الحاضنة الشعبية المفترضة تظل في منأى عن العقاب المباشر. لا شيء منها يبدو ظاهرا للعيان ولا شيء يدعم فرضية تعاونها مع الارهابيين التي تأخذ طابع الظن، بالرغم من وجود قرائن تؤكد واقعيتها.

فالحرب على داعش فعل مقبول اخلاقيا وإنسانيا اما الحرب على مدنيين، هم محل ريبة وشك هي فعل يدينه القانون الدولي حين يعتبر الحاق الضرر بهم جريمة ضد الإنسانية. ولأن عملية الفصل بين الجانبين تكاد تكون امرا مستحيلا، في ظل التعمية الاعلامية على ما يحدث داخل المدن المحتلة فإن كل جهد لتدمير الفصائل المسلحة لن يكلل بالنجاح النهائي المطلق.

ولهذا يمكننا القول إن حربا على الارهاب لن تؤدي إلى القضاء على خطر انبعاثه في المستقبل هي حرب عبثية، لا معنى لها. بمعنى أن القضاء على ظاهرة داعش من غير اجتثاث جذورها لن يكون له أي أثر يذكر على مستقبل الشعوب التي ستظل رهينة لفكر الارهاب.

هذه العلاقة بين الظاهرة الارهابية وجذورها وهي علاقة لا انفصام لها من غير أن يجري تفكيكها من داخلها في إمكانها أن تدحر كل أمل في أن تؤدي الحرب العالمية على داعش إلى القضاء على الارهاب.

فداعش الذي وجد الظروف التاريخية مؤاتية له لإعلان دولته، يدرك جيدا أن تلك الظروف وإن كانت القوى الدولية قد ساهمت في خلقها لم تكن صادمة للشعوب التي أعتبرتها مناسبة للانغماس في عزلتها عن العالم. وهو ما لم تفرضه داعش، بل وقع كل شيء منسجما مع ما شهدته المنطقة من تحولات، لم تر الشعوب مخرجا منها إلا من خلال اللجوء إلى العنف.

لم يكن تنظيم داعش إلا ثمرة واحدة من ثمار شجرة ثقافة العنف التي لا تزال قوى محلية وأقليمية ودولية تنفق الاموال من أجل رعايتها.

سوى داعش هناك الحشد الشعبي في العراق وهو تجمع يضم عددا كبيرا من الميليشيات التي مهما بولغ اعلاميا بشعبيتها فإنها تظل عبارة عن عصابات جرى تأسيسها برعاية ايرانية للتصدي طائفيا للآخرين.

وفي سوريا هناك العشرات من الجماعات الارهابية التي يجري الان العمل على تهذيبها وتنظيف تاريخها وصقل واجهاتها من أجل أن تبدو معتدلة، كما لو ان ممارسة الارهاب يمكن أن تنتهي بنظرية "عفا الله عما سلف".

قاعدة الارهاب ليست عسكرية، وهي تخفي مضامينها السياسية بغطاء ثقافي، كانت مجتمعاتنا قد تدثرت به، بعد أن فقدت الثقة بالاغطية التي فُرضت عليها بالقوة من قبل انظمة، كان همها الاساس يكمن في تكريس نظرياتها السياسية في الحكم.

كان هناك انفصال واضح بين أنظمة الحكم وقاعدتها الجماهيرية، في سياق علاقة لم يقو طرفاها على فتح جدل حقيقي وصريح في شأن ما يطلبه أحدهما من الآخر. لقد كانت السلطة تفرض املاءاتها على الشعب الذي كان ينافق في القبول على ما يُملى عليه من غير نقاش.

في ظل تلك العلاقة التي لا تتسم بالتوازن تسلل الفكر الديني المتطرف بحثا عن معادلة سرية، توهمت المجتمعات من خلالها أن النصرالالهي سيكون حليفها. وهو ما استفادت منه جماعة الاخوان المسلمين في مصر التي كانت بمثابة الماكنة التي انتجت كل الجماعات والتنظيمات والاحزاب الارهابية.

ولهذا فإن هزيمة الاخوان في مصر هي من وجهة نظري أهم من هزيمة داعش في سوريا والعراق على المستوى التاريخي. فالحرب على الارهاب ينبغي أن تبدأ بالحرب على ثقافته، عناصره الفكرية التي تسللت إلى المجتمعات وصارت تنخرها.

ما يجب أن تتعلمه الحرب على الارهاب من الارهاب نفسه اسرار حربه السرية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
الربيع العربي بنسخته القطرية
2017-07-10
المزيد

 
>>