First Published: 2015-12-14

كي يكون مؤتمر الرياض علامة فارقة... سورياً

 

بيان المعارضة يوفّر مخرجا للجميع. ولكن هل من يريد البحث عن مخرج؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

يظل السؤال المطروح دائما وابدا هو السؤال نفسه وذلك منذ ما يزيد على اربع سنوات ونصف سنة عندما اندلعت الثورة السورية. هذا السؤال هو الآتي: هل يمكن للنظام الإنتصار على الشعب السوري؟ لا يزال الجواب هو نفسه وذلك منذ اربع سنوات ونصف سنة. انتهى النظام السوري الذي اقامه حافظ الأسد... ولكن هل انتهت سوريا التي عرفناها ايضا؟

انتصر الشعب السوري على النظام ولكن هل يستطيع ابقاء سوريا موحّدة. هذا هو التحدي الأوّل الذي يواجه المعارضة.

يوفّر المؤتمر الذي عقدته المعارضة السورية في الرياض بريق امل بامكان ايجاد جبهة سياسية وعسكرية موحّدة توفّر بديلا من النظام. هذا النظام الذي لم يعد يجد جنودا يدافعون عنه، على الرغم من كلّ الدعم الذي يتلقاه من ايران وروسيا التي تحوّلت طرفا مباشرا في الحرب التي تستهدف الشعب السوري بكلّ فئاته.

من بين اهمّ التطورات التي شهدتها اخيرا المناطق السورية، التي لا تزال خاضعة للنظام، الإستماتة من اجل الحاق شبّان بالخدمة العسكرية. في كلّ شارع وحيّ في دمشق وغير دمشق حواجز طيّارة تعتقل الشبان الذين في عمر الخدمة العسكرية وتجبرهم على الإلتحاق بالجبهة حيث ينتظرهم الموت وذلك بعد تدريب على استخدام السلاح لا يتجاوز الأسبوع او الإسبوعين. هناك محاولة لإسترضاء الروس يقوم بها النظام الذي كشفت الغارات الروسية مقدار عجزه.

لدى النظام حاجة ماسة الى ما لا يقلّ عن ثمانين الف جندي من اجل القول للروس انّ في الإمكان الإستفادة من القصف الذين يمارسونه من الجو والبرّ وحتّى البحر. اكتشف فلاديمير بوتين بعد تدخله المباشر في سوريا ان لا وجود لجيش فعّال لدى النظام. لم يستطع جيش النظام التقدّم في المناطق التي تعرّضت للقصف وايجاد مواقع له فيها. ذهبت الجهود الروسية هباء، اذ عاد الثوّار الى المناطق التي تعرّضت للقصف. اكثر من ذلك، استطاعوا تحقيق تقدّم على جبهات عدّة.

وسط هذه التطورات التي تشهدها الأرض السورية، جاء مؤتمر المعارضة في الرياض. قبل كلّ شيء، لا بدّ من شكر المملكة العربية السعودية على الجهود التي بذلتها من اجل توحيد المعارضة. وحدة المعارضة تبعث على التفاؤل وان بحذر، خصوصا اذا اخذنا في الإعتبار حال التشرذم التي تعاني منها من جهة والعلاقة العميقة القائمة بين النظام و"داعش" من جهة اخرى. تتجاوز هذه العلاقة النظام السوري لتمتد الى ايران المستفيد الأوّل من "داعش" وممارساته، خصوصا في العراق.

اعتمد التدخل العسكري الروسي في سوريا على كلام فارغ من نوع ان الهدف انقاذ مؤسسات الدولة السورية، علما انّه لم يكن هناك في يوم من الأيّام مؤسسات لدولة سورية حيث لا فصل بين السلطات ولا حقوق للمواطن، بل اجهزة امنية ولا شيء غير ذلك. ما تسعى موسكو الى انقاذه هو بقايا هذه الاجهزة الامنية وبعض القيادات العسكرية من الضبّاط العلويين الذين تخرّجوا من الأكاديميات العسكرية السوفياتية ثم الروسية.

حسنا فعلت المعارضة في مؤتمر الرياض عندما حدّدت اهدافها المتمثلة برحيل بشّار الأسد مع بدء المرحلة الإنتقالية واتفقت على وفد موحّد للتفاوض ووضعت خارطة طريق لسوريا المستقبل كدولة مدنية وتعدّدية ولا مركزية.

كانت المعارضة في منتهى الواقعية، ذلك انّ البيان الختامي لمؤتمر الرياض، وهو الأوّل الذي يجمع مكوّنات سياسية وعسكرية قارب عددها المئة، تضمّن رؤية سياسية شاملة جمعت بين المعارضة المدعومة من الغرب والمعارضة المقبولة من النظام والفصائل المسلّحة "المعتدلة" التي تقاتل على الأرض.

اكّد هذه الواقعية ما ورد حرفيا في البيان الختامي عن "انّ المجتمعين على استعداد للدخول في مفاوضات مع ممثلي النظام وذلك استنادا الى بيان جنيف ـ1 الصادر في الثلاثين من حزيران ـ يونيو 2012 والقرارات الدولية ذات العلاقة وذلك خلال فترة زمنية يُتّفق في شأنها مع الأمم المتحدة".

ما ذكره البيان يوفّر مخرجا للجميع، ولكن هل من يريد البحث عن مخرج، خصوصا في ظلّ وجود ادارة اميركية ترفض ان تكون لها استراتيجية شرق اوسطية او حتّى سورية؟

هل يعتقد النظام السوري انّ عليه الرحيل اليوم، قبل غد، لأنّ عدم رحيله هو الطريق الأقصر لتدمير ما بقي من سوريا؟

هل يقتنع الروسي نهائيا ان لا وجود لنظام يمكن الدفاع عنه وترميمه، اللهمّ الّا اذا كان لدى موسكو طموح يتجاوز منع تصدير الغاز الخليجي الى اوروبا عبر الساحل السوري؟

هل تقتنع ايران ان مشروعها الهادف الى اقامة دويلة سورية ذات طابع علوي مرتبطة بدويلة "حزب الله" في لبنان حلم غير قابل للتحقيق؟

هذا الحلم الإيراني غير قابل للتحقيق لسبب في غاية البساطة يعود الى ان العلوي السوري ليس شيعيا وهو يفضّل ان يكون في حماية الروسي على الدخول في حلف مع الإيراني والسقوط تحت وصايته.

يمكن ان تكون ايران استوعبت هذه المعادلة اخيرا، وربّما لا تزال تظنّ انّ سيطرتها على قسم من سوريا مرتبط بممرّ الى البقاع اللبناني، حيث "حزب الله"، لا يزال مشروعا قابلا للتحقيق.

في ظلّ هذه المعطيات، يمكن فهم حجم التحديات التي تواجه المعارضة السورية. يضاف الى ذلك الإهتمام التركي الذي يراوح بين حماية التركمان وضمّ حلب وجوارها نهائيا والتخلّص من بشّار الأسد الذي لم يجلب لبلده ولجيرانه سوى المتاعب ولم يصدّر سوى الإرهاب والإرهابيين وكلّ ما له علاقة بالتطرّف. يكفي للتأكّد من ذلك ممارسته اللبنانية التي شملت تفجيرات واغتيالات ورهان على قدرة "حزب الله" على تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية.

في كلّ الأحوال، هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المعارضة السورية بكلّ فئاتها. هناك مسؤولية الإرتفاع الى مستوى طموحات الشعب السوري اوّلا. وهناك مسؤولية التعاطي مع التعقيدات الاقليمية والدولية، خصوصا مع روسيا التي يتبيّن كلّ يوم انّها لا تعرف الكثير عن الشرق الأوسط ولا عن سوريا نفسها، ومع ايران التي لا يهمّها سوى ترسيخ الشرخ المذهبي في المنطقة، كون اثارة الغرائز المذهبية السلاح الأساسي الذي يستند اليها مشروعها التوسّعي... ومع تركيا التي لديها اجندة خاصة بها تقوم اوّل ما تقوم على الرهان على عامل الوقت. الوقت كفيل بتفتيت سوريا، وتركيا جاهزة لضمّ قسم من هذا الفتات، الذي لن يعود فتاتا، اليها.

سيعتمد الكثير على بقاء المعارضة السورية موحّدة بعد مؤتمر الرياض. كان هذا المؤتمر علامة فارقة سوريا، خصوصا انّ في الإمكان البناء على ما خرج به من قرارات واضحة. المهمّ عامل الإستمرارية. هل لدى المعارضة استمرارية في موازاة تلك التي يتمتّع بها الشعب السوري الصامد في وجه كلّ انواع الظلم منذ سبعة وخمسين شهرا.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>