First Published: 2015-12-14

انحسار داعش.. راحت السكرة وجاءت الفكرة

 

الاسلام حضارة عريقة وضخمة لا يمكن لمجموعة غامضة أن تختطفه بالصدمة وتفجير الذات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

كان جان بول سارتر يقول حول موضوع الانتحار "عندما أقتل نفسا أخرى، فإن روحا واحدة فقط ستصرخ، الا أنني حين أقتل نفسي، فإن جميع الأرواح سوف تصرخ". لقد وظفت داعش موضوع الانتحار لتفجير صدمة داخل الوعي والدين الاسلامي. أصبحنا وجها لوجه أمام الانتحار كعبور للوعد الالهي وكاحتجاج سياسي. تصعيد خطير للفلسفة والدين في السياسة، الا أن الحياة لا تلبث حتى تستعيد توازنها، ولا يلبث العقل حتى يفرض سلطانه على الجنون. إن الاسلام حضارة عريقة وضخمة لا يمكن لمجموعة غامضة أن تختطفه بالصدمة وتفجير الذات، مازال في الاسلام فقهاء عظام ومفكرون كبار، لقد تم امتصاص الصدمة الداعشية واستعاد الوعي الاسلامي قوته.

هناك تغير في مزاج العالم، وهذا ما يحدث بسبب عامل الوقت كما يقول المثل السوري "راحت السّكرة وجاءت الفكرة" لا يريد العالم تفسيرا للدين قائما على التكفير والذبح. إن تدريب الأطفال على ذبح الأسرى بالسكين أمر لا يتفق ومزاج الانسان السوي. نحن في القرن الواحد والعشرين نعيش ما بعد اكتشاف علم النفس وفلسفة المعرفة الحديثة، لا نستطيع تسليم عقولنا للخطب العصماء، باختصار انتهت الصدمة وبدأ ذلك الإحساس العميق بأننا نعيش مرحلة غير صحية وعسرا حضاريا. إن التطرّف في النهاية مجرد مغص في معدة الدين.

لقد انهارت أهم الدول العربية كسوريا والعراق وليبيا، أما مصر فتقول علنا بأنها تريد أن تطعم شعبها بسلام "مش عايزين مشاكل احنه عايزين ناكل" لم يبق غير دول الخليج خصوصا المملكة العربية السعودية التي أصبح الحمل العربي كله عليها. كيف تحسم السعودية ملف الارهاب والعلاقة مع ايران بوقت واحد؟

كثيرون في السعودية يقولون الارهاب أولا، فهو يضرب في اليمن ومصر وليبيا وتونس وأفريقيا السوداء وأوروبا والخليج، وله مركز جغرافي متمثل بالدولة الاسلامية في العراق وسوريا. ماذا يمكن للخليج أن يصنع لإيران سوى السياسة؟ الخطر الذي يهدد الخليجيين حقاً هو الارهاب والتطرف الديني. فدول الخليج وصلت مرحلة امتلاك شركات طيران تنافس الشركات العالمية، وعندها تجارة وسياحة متطورة. شيء طبيعي أن يقلق الخليجي من الارهاب وانتشاره.

إن فكرة استثمار الارهاب لضرب ايران لا تلقى ترحيبا عند الخليجيين، فهي مغامرة قد تؤدي الى مخاطر كبيرة. ثم أن الارهاب لا يخفي استهدافه للخليج، أي أنه لا يفكر بإيران بأكثر مما يفكر بضرب الخليج. في ظروف كهذه يجب أن نعترف بالواقع وألا نساهم بإيهام الناس. عدد كبير من السنة لا يريدون تطرفا دينيا. لا يريدون العيش في دولة تتحدى المنطق والاختلاف والتعايش. صديق فرنسي يقول كيف نتعامل مع أناس لا يتقبلون الآخرين "إنهم يريدون قتلي مثلا، لمجرد كوني رجلا فرنسيا كافرا" هذا مشكلة حقاً.

لن يحقق السنة شيئا في العراق لا بإقليم ولا بغير اقليم دون حل المشاكل العالقة في تاريخ العراق القريب والإعتراف بوجود مشكلة. لقد كانت الكويت آخر فتوحاتنا ذلك "الفتح الكويتي" الذي بسببه بعنا شبابيك بيوتنا لنطعم أولادنا في الحصار، وكانت القادسية آخر انتصاراتنا، ذلك النصر على يد قائد باع شط العرب للشاه عام 1975 ليتمكن من الأكراد وتمردهم الداخلي باتفاقية الجزائر، ذات القائد ألغى اتفاقية الجزائر وأعلن الحرب على إيران بعد خمس سنوات حين سقط الشاه وجاء الخميني. بعد مرور ثمان سنوات من الحرب القذرة عاد القائد الى ذات الاتفاقية، والنتيجة أننا اليوم لم نخسر شط العرب فقط، بل خسرنا بغداد وصرنا نبحث عن اقليم سني وهمي يجمع الموصل بالأنبار.

إن مشكلتنا داخلية فالجانب العقلاني العربي صديق للعالم المتحضر، والجانب الذي يريد الارهاب واعلان الحرب على العالم في السجون أو في حالة تخفي ولعبة أقنعة. ما علاقة ايران وإسرائيل وأميركا بمشكلة هي في الأساس عقلية؟ وللأمانة نحن نرى المملكة العربية السعودية تكافح ضد التوسع الإيراني، وتعمل على رحيل الأسد وإيجاد حل عادل للمسألة السورية، إلا أن الإرهاب لا يمكن أن يكون خيارا في أية معادلة. لا مفر من تحرير عقولنا بالتواضع، نحن لسنا أصحاب رسالة، ولا أحد ينتظر منا شيئا. هنا يكمن أول لقاء فكري بين داعش والبعث، فكلاهما يؤمن بأنه حامل لرسالة خالدة ينشرها بالقوة والسلاح والحروب.

هؤلاء السوريون الذين وصلوا مدينة أوتاوا قبل أيام واستقبلتهم الحكومة الكندية بأغنية "طلع البدر علينا" سيتم عرضهم على باحثين اجتماعيين وأطباء نفسيين، ثم يتم زجهم بالمدارس والتعليم قبل سوق العمل. وخلال سنوات ربما تكتشف الزوجات مقدار قمع الرجال لهن، وربما يتم طرد نصف الأزواج من المنزل بسبب سوء المعاملة، ورغم كل شيء لن يجوع ولن يعرى ولن يهان أحد. الأطفال سيكبرون ويتعلمون ويصبحون كائنات عقلانية متفهمة للتنوع البشري، سيفهم السوري الذي نشأ بكندا بأنه ليس صاحب رسالة، بل مجرد إنسان بحاجة الى مساعدة والى تعليم. نحن جميعا بحاجة إلى مساعدة فمشكلتنا بالعقل، هذه المشكلة تتحول إلى بيئة حاضنة للعنف والتطرف والانتحار.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
الضعف العربي والتوسع التركي والإيراني
2017-12-12
انحسار المد الطائفي في العراق
2017-12-04
المرأة السعودية جوهر الانتصار على التطرّف
2017-11-28
عتاب عراقي مرير
2017-11-20
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المزيد

 
>>