First Published: 2015-12-17

ملاحظات على التحالفات ضد الإرهاب

 

ثمة قوى مؤمنة أن التعامل مع الإرهاب لا يعني القضاء عليه، لكن تبديل الأماكن والأدوار، والقيام بعمليات تفكيك وترحيل، وتجميع العناصر الإرهابية في مكان آخر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

عندما يسمع كثيرون ولادة تحالف جديد ضد الإرهاب، يتوجسون خيفة، ويشعرون أن هناك أهدافا معلنة، وأخرى سرية، الأولى تدغدغ مشاعر الناس، وتلعب على وتر الهلع من العنف المنتشر في المنطقة، والثانية تخدم أغراضا خفية، لا يعرف أحد فحواها وتفاصيلها، إلا أصحاب المبادرات.

في كل التحالفات التي جرى التفكير فيها، أو أعلن عنها خلال الفترة الماضية، كانت الازدواجية السابقة حاضرة، والتي ترعاها الولايات المتحدة، صاحبة أشهر التوكيلات في هذا الفضاء، من أفغانستان إلى العراق ثم سوريا، ومعهم طبعا الصومال.

وفي جميع الحالات، تعلن واشنطن شيئا بريئا، وتخفي أشياء شريرة. ولعل ما يجري في سوريا، واحدا من المشاهد العبثية، التي استخدم فيها التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لخدمة أجندات، ساهمت في إطالة أمد الحرب والإرهاب، حتى تدخلت روسيا، وبدأت الدفة تتغير، حيث أمسكت بزمام جانب من الأمور، وبدت تتعامل بحنكة، مستفيدة من تجربتها وأخطائها السابقة في أفغانستان.

وعندما تمكنت من القبض على مفاصل أمنية وسياسية متعددة في سوريا، بدأت الجبهة المناهضة لها تضع المطبات على الأرض، وعندما تبين أنها لن تقع في حفرة سوريا، تم الالتفاف عليها، بطرق عسكرية وسياسية، للحد من قدرتها على تقسيم الكعكة كما تريد.

فالتضحيات التي قدمت من أجل سوريا كبيرة، ومن يخرج منها مهزوما، لن يخسر جزءا كبيرا من طموحاته وتطلعاته الحالية فقط، بل سيواجه بهزيمة منكرة في المستقبل القريب، لذلك كان وضع روسيا وحلفائها وأصدقائها والمتعاطفين معها في مربع الأمر الواقع.

مربع تتسارع فيه خطوات التسوية السياسية، وتأخذ معها التصورات العسكرية، لأن الصمت طويلا على تصرفات موسكو، يمكن أن يساعدها في الحصول على الجائزة بأقل تكلفة ممكنة، فكان مؤتمر الرياض للمعارضة السورية، والذي انتهى إلى نتيجة يصعب أن تلتقي مع الأفكار الروسية.

فقد تمخضت عنه توصيات تدعم رؤية الطرف المقابل، وجاء إعلان التحالف الإسلامي العسكري، ليعزز التوجهات السياسية، لأنه يمنح المعارضين لموسكو مزايا، لها أنياب وأظفار إقليمية ودولية.

دعك من العبارات الفضفاضة التي حملها التحالف، وتوقف عند الجهة المستهدفة، من الحشد المعنوي والمادي، ودعك من المفاجأة والإحراج والمخاوف التي شعر بها البعض، ممن قيل أنهم ضمن الأعضاء الـ 34 في التحالف الجديد، وتوقف عند أسماء الدول المنضوية تحت لوائه، أو المستبعدة من جنته، ستجد أن الحصيلة المطلوبة وضع نهاية للأزمة السورية، بما يتناسب مع البدايات، التي أرادتها قوى معينة، وقطع الطريق على ما يمكن أن تحرزه موسكو من مكاسب، بعد أن كادت تنجح في تحويل الواقع القديم إلى جديد، يعمل ضد مصالح أطراف، دفعت ثمنا باهظا لتقطف الثمار.

هذه اللعبة ومفرداتها السياسية الساخنة، تجعل المراقب لتطوراتها، يقلق من التداعيات المنتظرة من وراء أي تحالف يعلن عنه ضد الإرهاب، ويتشكك في النوايا النهائية له، وكان هذا حال كثيرين في اللافتات والشعارات التي رفعتها الولايات المتحدة سابقا، وحلفائها حاليا، ومن هنا يمكن رصد أربعة ملاحظات أساسية حول التحالفات المعلنة ضد الإرهاب، أو حتى التي تزعم أنها تناهض الإرهاب.

الأولى، هذه النوعية من الإجراءات تكون غالبا مقدمة لترتيبات جديدة، أو محاولة خلق أمر واقع يساعد رعاة مكافحة الإرهاب على تغيير مسارات الأحداث لصالحهم، ويتم استخدام أنواع مختلفة من الخداع السياسي والإستراتيجي، حتى يتسنى الوصول للهدف النهائي، وفي حالة الزخم الراهن، نجد المطلوب طي صفحة مرحلة، تمهيدا للشروع في بدء مرحلة أخرى، تتبدل فيها الوجوه والأشخاص والسياسات، لكن من الصعوبة أن تقود إلى تثبيت دعائم الاستقرار.

الثانية، ضم مجموعة من الدول والأطياف، أبرز ما يجمعها أنها حليفة أو صديقة أو قريبة من الولايات المتحدة، وربما تدين بالولاء لها، وما نراه في المنطقة والتحالفات المعلنة، قديما وحديثا، ضد الإرهاب يصب في هذا المعنى، الذي يريد التأكيد على أن واشنطن لها اليد الطولى، وتملك تأييدا كاسحا وسط لآلياتها في الحل والعقد، بعكس روسيا، التي تملك عددا قليلا ممن يريدون الدوران في فلكها، وهي سياسة يمكن أن تفضي إلى اهتزازها، أمام عملية الفرز التي جلبها الإعلان عن التحالف الإسلامي العسكري.

الثالثة، قد يتصور البعض خطأ أن التحالفات التي تنشأ لمقاومة الإرهاب تقضي عليه، فهي تعيد إنتاج الأزمة، وتدخلها في طريق مغاير، لا يؤدي بالضرورة إلى حلها، لكن يدخلها دروبا ودهاليز، تطيل عمرها، فقد تحقق الهدف الظاهر لها، كأن تتمكن من القضاء على الرئيس السوري بشار الأسد، لكن غير مضمون أن تنجح في تثبيت الوضع الذي سيخلفه، وهذه واحدة من السمات الرئيسية التي أنتجها رفع شعار مكافحة الإرهاب، في كل من الصومال وأفغانستان والعراق.

الرابعة، التركيز على البؤرة المستهدفة، وترك بؤر أخرى مجاورة، أو بمعنى أدق غض الطرف عن مساحات فارغة، ينمو ويترعرع فيها الإرهاب، فالتحركات التي ظهرت ملامحها في البيان المؤسس للتحالف الإسلامي العسكري، ترمي للتركيز على سوريا، وجاء على ذكر أماكن أخرى على استحياء، بالتالي فالهدف التدخل وإسقاط نظام بشار، حتى لو كانت الدول التي ستشرع في التدخل مسئولة عن انتشار الإرهاب، بالتمويل والتأييد، وتسهيل عمليات العبور.

المشكلة التي سوف يقود إليها هذا الاتجاه أنه يسمح بتجمع الإرهاب في أماكن بعيدة، فهناك قوى مؤمنة أن التعامل مع الإرهاب لا يعني القضاء عليه، لكن تبديل الأماكن والأدوار، والقيام بعمليات تفكيك وترحيل، وتجميع العناصر الإرهابية في مكان آخر، ليس ليتمكن أصحاب هذه النظرية من إبعاد المخاطر عنهم، لكن لتهيئة الأجواء لمباراة أخرى، أملا في استكمال الأهداف التي لم تتحقق في الجولة السابقة، لأن جميع التحالفات التي رفعت هذا الشعار أخفقت في إتمام مهامها بنجاح، فدائما تترك خلفها ذيولا، تكون ذريعة أو أداة لتدخلات جديدة في المستقبل.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>