First Published: 2015-12-18

حين نكون اسرى في اليمن

 

سيعود الاسرى إلى حياتهم، غير أن أحدا من اليمنيين لن يقوى على استرجاع فكرته عن اليمن، بلدا يضم الجميع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما الذي يعنيه ان يكون المرء أسيرا أو أن يكون هنالك أسرى؟ الحرب هي المنطقة التي تنتج مفاهيم مقيتة كالأسر، حاولت العقائد السماوية والقوانين الوضعية تنظيمها والحد من تداعياتها المؤلمة.

أن يكون المرء أسيرا، معناه أن هنالك حرب. ولكنها حرب بين غرباء، لم يتعرف أحدهم على الآخر. حينها يكون مفهوم الاسر مقبولا، بإعتباره جزءا من تجليات الحرب المأساوية. هناك مقاتلون ينجون من الموت ولا تسنح لهم فرصة النجاة هربا فيقعون في الأسر.

حدث من هذا النوع يمكن القبول به على مضض لانه يملك تفسيرا.

أن يكون المرء أسيرا أفضل من أن يكون ميتا. خبر سعيد. ذلك لأن عودة ذلك الاسير الى حياته الطبيعية أمر مضمون ما أن تضع الحرب أوزارها.

ما لا يعقل في الامر أن يؤسر المرء في وطنه ومن قبل اخوته المفترضين، وهو ما يقع في الحروب الاهلية التي غالبا ما تخلو من الانصاف والحق. ذلك لان الابادة بدافع الانتقام الاعمى هي هدف تلك الحروب.

تكلل الحروب الاهلية اطرافها بعار استثنائي، لا يمحوه انتصار ولا تخفيه هزيمة ولا يطويه تبادل اسرى أو جثث مقتولين.

أن يؤسر المرء في وطنه هو حدث فاجع من النوع الفضائحي. اما حين يتبادل المتحاربون الاهليون اسراهم فإن ذلك التبادل يكون بمثابة اعلان رسمي لتلك الفضيحة واعتراف بها.

مناسبة كل هذا الحديث هي خبر تبادل اليمنيين لأسراهم.

لقد اكتملت عناصر الفضيحة اليمنية فصار لزاما على المتحاربين أن يعبروا عن حسن نواياهم بتبادل الاسرى، الذين هم اخوة لهم في كل شيء.

سيكون على اليمنيين آسرين واسرى أن يواجهوا تاريخا ينقصه الشعور بالاطمئنان إلى معنى اخوتهم. فإذا كان من اليسير أن يكون اليمني أسيرا لدى أخوته اليمنيين فهذا معناه أن كل يمني هو بالضرورة مشروع أسير.

وهو ما يعني أن حرية الانسان في وطنه هي مجرد وهم.

فهل يتباهى الآسرون بما فعلواوهل سيفرح الاسرى بحريتهم؟

لقد حول المتحاربون وطنهم إلى مجموعة متفرقة من السجون يقبع فيها أخوتهم الأسرى.

كان من الممكن أن يتبادل اليمنيون أسراهم سرا فلا يسمحوا للقبح في أن يمشي على رؤوسهم بخيلاء شره. كان من الممكن أن يسلكوا طرقا تعيد لحمة أخوتهم إلى مكانها الطبيعي. كان من الممكن أن يوقفوا سيل الضغينة والبغضاء من خلال الانحياز إلى ما يجمعهم لا إلى ما يفرق بينهم.

ولكن الحوثيين لم يتمردوا على الحكومة وحدها بل على الوطن كله. وهو ما جعلهم ينسفون بيسر كل ما يجمعهم بالآخر اليمني من ثوابت.

الآخر اليمني بالنسبة لهم هو عدو، إن لم يتمكنوا من ابادته فإن أسره يستجيب لرغبتهم في الشماتة ويقوي من قدرتهم على التفاوض. لديهم بضاعة يتفاوضون عليها ويفرضون من خلالها شروطهم في حرب، أتوقع أنها ستكون نهاية لمطلبهم في حق المواطنة.

ما لم يتوقعه الحوثيون أن تقودهم أطماعهم إلى المكان الذي انتهوا إليه اسرى وهم أطاح بحقهم في أن يكونوا مشاركين في الحياة السياسية قبل المشاركة في الحكم.

ليس تبادل الاسرى بين اليمنيين لحظة مشرفة في تاريخ اليمن، بل هي مؤشر تدني القيم الوطنية، هناك حيث تكمن الاسباب الموجبة لنشوب حرب عبثية ممرة، ارادها الحوثيون مناسبة للتعبيرعن طائفيتهم والقضاء على حالة التسامح الديني الذي تميز بها اليمنيون.

سيعود الاسرى إلى حياتهم، غير أن أحدا من اليمنيين لن يقوى على استرجاع فكرته عن اليمن، بلدا يضم الجميع. ما فعله الحوثيون حين حاولا أن يأسروا اليمن سيجعل منهم أسرى لعزلة لن يغادروها أبدا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
المزيد

 
>>