First Published: 2015-12-19

مسيرات جنائزية فائضة

 

هل يحتاج العراقيون إلى حزن قديم يغذي نزعتهم إلى الحزن وهم يغرقون في خزان الاحزان؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

عبر التاريخ عُرف العراق بأنه بلد المسيرات الجنائزية. بعض العراقيين فرح حين اسقط الاحتلال الاميركي النظام الوطني الحاكم عام 2003، لا لشيء إلا لأن ذلك النظام كان قد وضع حدا لمظاهر الحزن الجماعي التي كانت تعم البلاد كل سنة لمناسبة ذكرى مقتل الامام الحسين قبل 1400 سنة.

لقد جاءت الحروب التي شهدها العراق في العقود الاربعة الآخيرة لتغذي نزعة الحزن المتأصلة لدى الشعب العراقي بالكثير من الاسباب المستديمة التي سرعان ما كانت تجد الطرق التي تقود إلى الذاكرة سالكة أمامها. كما لو أنه كان هناك خزان للاحزان، يحتاج إلى مَن يملأه بين حين وآخر.

هل كان الموت المجاني ضروريا في حياة العراقيين إلى هذه الدرجة؟

ما شهده العراق منذ اللحظة الاولى للغزو الاميركي وما يشهده اليوم كان أشبه بعملية تسريع لعمل الماكنة التي تنتج أحزانا، وما كان يكترث به العراقيون من مصائب الدنيا صاروا ينظرون اليه بعين عميت لكثرة الدمع عن رؤية ما يحيط بها من وقائع لا تسر.

ألم تفض البئر بعد؟

لدى االعراقيين فائض من الاحزان ما يمكن أن يغطي حاجة كل شعوب الارض المنكوبة إلى البكاء. ولقد خدعنا المؤرخون حين أقنعوا أنفسهم وأقنعونا بأن أرض السواد وهو واحد من الاسماء التي أطلقت على بلاد ما بين النهرين انما أتى من كثافة الخضرة التي تغطي أرض العراق.

أرض السواد هو التعبير الامثل للبلاد التي يرتدي سكانها السواد حزنا.

فكلما ازدهرت واحدة من حضاراتهم كان العراقيون يضعون أيديهم على قلوبهم في انتظار اللحظة التي يأتي بها الغزاة حاملين معهم ليلهم الطويل. وفي ذلك الليل كان العراقيون يماررسون هوايتهم في البكاء والنحيب والندب والعويل في مجلس سرمدي للعزاء، حيث تتابع المسيرات الجنائزية، واحدة تلو الآخرى في مشهد هو أشبه بالجحيم الارضي.

وإذا ما كانوا اليوم قد وضعوا في أجنداتهم مواسم اللطم على الصدور وضرب الظهور وشق الرؤوس بإعتبارها أوقاتا مقدسة فإن حدثا ماساويا من النوع الذي شهدته كربلاء قبل 1400 سنة لم يكن بالنسبة لهم سوى ذريعة في طقوسهم الكئيبة التي أضفوا عليها هذه المرة طابعا تطهريا.

ولكن الموت الذي هم في حاجة إليه قد خرج عن حده، حتى صار البعض يعده نوعا من الكفر. فبدلا من أن يوقفوا ماكنة القتل في بلادهم والتي حصدت مئات الالوف منهم منذ أن نشر المحتل الاميركي فوضاه الخلاقة في بلاهم، صاروا يدفعون بشبابهم إلى القتل في سوريا، هناك حيث ماكنة قتل آخرى في حاجة إلى من يزود محركها بالزيت البشري.

وهكذا سلم العراقيون أنفسهم للموت حين انتقلوا إلى منطقة قتل جديدة.

أبهذا تتباهى الميليشيات وهي تشق شوارع المدن العراقية بمسيرات جنائزها؟

من العقل إلى الشارع ومنه إلى العقل صار المشهد الجنائزي يسحق بقدمين ثقيلتين كل حاجة إلى التفكير في الحياة، كونها فرصة للسلام والسعادة والبناء والطمأنينة والرخاء والاخوة بين البشر.

هناك تودد إلى الموت يستخف بكل ما تنطوي عليه الحياة من معان.

غير أن كل ذلك الموت لا يحضر إلا تجسيدا لخيانة مبيتة يمارسها السياسيون من أجل تضليل الشعب وتسليته بالحزن وصولا إلى الهائه عن رؤية حقيقة ما يقومون به من عمليات نهب منظم لثروات البلاد.

الفقراء هم الذين يذهبون إلى الموت في سوريا، لا رغبة منهم في الذهاب إلى الجنة كما يُشاع ولا دفاعا عن المذهب كما يروج له اعلام الميليشيات، بل هربا من البطالة وما يلحق بها من عار الجوع والعوز.

هم يهربون من الفقر إلى الموت، وحين يعودون احياء إن كتبت لهم السلامة فإنهم سيمارسون هوايتهم في القتل في حق أهلهم الذين ما كانوا يبخلون بالدمع في البكاء عليهم.

ربما تمر المسيرات الجنائزية التي تنظمها الميليشيات لقتلاها في شوارع المدن العراقية من غير أن يكترث بمرورها أحد، غير أن مشاهدها تذهب مباشرة إلى خزان الحزن العراقي.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
آن لقطر أن تطوي مشروعها
2017-09-11
هناك إرهاب يفصل بين قطر والعالم
2017-09-10
المزيد

 
>>