First Published: 2015-12-20

مواجهة ديمقراطية مع الأقوياء في السلطة

 

هل ينبغي أن نترك مدوناتنا لمجرد أن بعض الجهلاء يرسمون صورة مظلمة في متن أو هوامش مواقع التواصل؟ يبدو موقف الشاعرة أشجان الهندي أشبه بإجابة شجاعة على مثل هذا السؤال.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أستطيع أن أجد تفسيرا لمشاعري سواء بالاستياء أو الغضب أو رباطة الجأش عندما أتلقى ردا مسيئا على ما أكتب، لكنه من الصعوبة أن أكون في موقف امرأة كاتبة أو صحفية أو فنانة تتلقى مثل هذا السيل المريع من الشتائم والحنق عندما تنهال عليها مثل هذه التهديدات التي سهلت شيوعها حرية التواصل على المدونات والمواقع الاجتماعية.

هذا الأسبوع انهمرت على كيت سمورثويت وهي ممثلة كوميدية وناشطة سياسية الآلاف من التغريدات ومنع عرض مسرحي لها في جامعة لندن لأنها تنتقد فيه تجريم بائعات الهوى وإفلات المشترين من العقاب!

ليس المهم مناقشة طبيعة العرض ودلالته على ثقافة المجتمع البريطاني، لكن من الأهمية تحليل مضمون ردود الفعل التي انهمرت على حساب سمورثويت على تويتر، أقل ما في تلك الردود مفردات تصفها بـ”العاهرة” و”الوقحة” وتهددها بالاغتصاب.

ويمكن أن نجد ما يقابل قصة كيت سمورثويت، في مجتمعاتنا العربية بما حدث للشاعرة السعودية أشجان الهندي هذا الأسبوع عندما حاول عدد من المتشددين منع إلقاء قصيدتها في أمسية بمعرض جدة للكتاب تحت مسوغ يمت للقرون المظلمة كونها أنثى تلقي شعرا على الرجال! وما تبع ذلك من ضجيج هائل على تويتر جعل الشاعرة تكتب “حين يرسم الجهلاء صورهم الحقيقية ويضعونها في برواز ثم يقدمونها لك على أنها أنت! لا تغضب وتأمل قبل أن تفكر في الدفاع عن صور مشوّهة لا تخصك!”.

بدت هذه الشاعرة السعودية أقوى مما نتخيل، فقبلها اضطرت كاتبة بريطانية تعرضت لسيل من الشتائم البذيئة على موقف لها عن التمييز على أساس الجنس “لأخذ قسط من الراحة” من وسائل التواصل الاجتماعي، وفضلت الهروب الإعلامي على مجرد قراءة شتائم الآخرين الموجهة إليها.

ويمكن سرد قصص لعدد كبير من النساء اللاتي انسحبن من وسائل التواصل الاجتماعي أو أجبرن على تغيير عملهن بعد أن تعرضن إلى وابل من الهجمات على الإنترنت.

وسبق أن تلقت هادلي فريمان من صحيفة الغارديان وغريس دينت العاملة بصحيفة الإندبندنت وكاثرين ماير المحررة الأوروبية لمجلة تايم تهديدات على تويتر.

والصحفية ايمي بينز التي سبق وأن عملت مراسلة لصحيفة يوركشاير بوست ذكرت بأن “لدينا بالفعل الكثير من الأدلة على شتى الاعتداءات على الصحفيين عبر المواقع الاجتماعية”.

وأكدت أن بعض أنواع هذه الاعتداءات المكتوبة جعلتها تشعر بالغثيان، الأمر الذي يحتم جمع المزيد من البيانات عن مستوى هذه المشكلة وكيفية رد الصحفيين عليها عمليا وعاطفيا.

وكشف مسح جامعي أن الصحفيين أكثر الفئات الاجتماعية تعرضا للاعتداءات اللفظية والتهديدات على مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص تويتر.

وذكر المسح الذي أشرفت عليه الباحثة ايمي بينز من جامعة لانكشاير البريطانية، أن الغالبية العظمى من الصحفيين تعرضوا إلى شتائم وإهانات لفظية وحتى تهديدات عبر الإنترنت.

وتباينت ردة فعل الإناث من الصحفيات اللواتي تعرضن للشتائم والتهديد، حيث عبرت 95 منهن عن الشعور بالضيق الدائم، فيما عبرت 66 في المئة من اللواتي شاركن في المسح عن الاستياء الشديد والخوف.

فهل ينبغي أن نترك مدوناتنا لمجرد أن بعض الجهلاء يرسمون صورة مظلمة في متن أو هوامش مواقع التواصل؟ يبدو موقف الشاعرة أشجان الهندي أشبه بإجابة شجاعة على مثل هذا السؤال.

الإنترنت تجربة حية ومدهشة من أجل الديمقراطية، منحت صوتا لمن لا صوت له، يجب أن تكون وسيلة لقول الحقيقة بوجه السلطة وفضاء متاحا للجميع أمام عقد الأقوياء في السلطة وسيطرتهم على رؤوس الأموال، وأنه من المهم أن يرى من هم في السلطة قوة الشعور حول القرارات التي يتخذونها.

ولا ينبغي تحويل مثل هذه التجربة الحية والديمقراطية في حياتنا المعاصرة إلى مجرد وسيلة للتعبير عن الغضب والاحتقار والخلاف. فنحن ندرك أن التكنولوجيا المتصاعدة تتيح لوسائل الإعلام الجديدة التحرك بسرعة قصوى، ولا أحد بمقدوره أن يرسم الخط الفاصل بين الأشرار والأخيار.

لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ذلك، فوسائل التواصل الاجتماعي والصحف التي تنشر التعليقات عليها التفكير في مسؤوليتها للوقوف بوجه بوادر التمييز والعنصرية والكراهية من أجل استعادة هذا الفضاء الحر، فقد حان الوقت لاستعادة الإنترنت قبل أن يختطفه الأشرار لإشاعة العدوانية والتعليقات القبيحة.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>