First Published: 2015-12-21

بين 'وطني دائما على حقّ'... و'لبنان أوّلا'

 

هل يكفي الكلام الجميل لمواجهة الواقع الذي يعيش في ظلّه لبنان؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

مهّد سليمان فرنجيه الجدّ لوصوله الى رئاسة الجمهورية اللبنانية في العام 1970 بمقال نُشر له في الصفحة الأولى من جريدة "النهار" تحت عنوان "وطني دائما على حقّ".

في السنة 2015، التي تشارف على نهايتها تحدّث سليمان فرنجيه الحفيد عن "لبنان اوّلا" ووضعه مصلحة البلد وابنائه "فوق كلّ مصلحة اخرى". استهدف سليمان الحفيد، عبر الحديث التلفزيوني الذي ادلى به الى الزميل مرسيل غانم تأكيد انّه صار مرشّحا جدّيا وانّ على "حزب الله" ايجاد طريقة لسحب النائب ميشال عون من سباق الرئاسة، وذلك عن طريق اقناعه بان لا امل له بتحقيق حلمه الذي كلّف لبنان واللبنانيين الكثير وذلك منذ العام 1988.

في النهاية ليس ميشال عون سوى اداة مسيحية استخدمها الحزب من اجل تحقيق اغراض معيّنة مستغلا نقاط الضعف في شخصية قائد الجيش السابق. على رأس هذه النقاط جهله بطبيعة "حزب الله" والسياسة الإيرانية في المنطقة من جهة وهوسه الدائم برئاسة الجمهورية من جهة اخرى.

في ضوء الحديث التلفزيوني لسليمان الحفيد، الذي حاول من خلاله طمأنة اللبنانيين الى انّه سيكون "رئيسا للجميع"، صار الخيار الذي يواجه المواطن العادي هذه الأيّام في غاية الصعوبة.

انّه خيار بين الوثوق بسليمان فرنجيه رئيسا للجمهورية وتصديق ما قاله في الحديث التلفزيوني... وبين البقاء من دون رئيس للجمهورية مع ما يمثله ذلك من تهديد لمستقبل البلد.

يطرح هذا الخيار نفسه في وقت تمرّ المنطقة في مرحلة انتقالية. هناك دولتان مهددتان بالزوال، او التقسيم في احسن الأحوال، هما العراق وسوريا. هناك بكل بساطة اعادة نظر في حدود العراق وبالكيان نفسه، كما ليس معروفا ما الذي سيحل بسوريا وهل يبقى شيء منها في ظل التجاذب الرباعي الإيراني ـ التركي ـ الروسي ـ الاسرائيلي.

تبقى شخصية سليمان فرنجيه الحفيد موضع اخذ ورد طويلين. توجد نقاط لمصلحة الرجل، ظهرت من خلال المقابلة التلفزيونية الأخيرة. كان سليمان فرنجيه في غاية الصراحة. لم يتنكر لماضيه ولكونه "صديقا" لبشّار الاسد ولعلاقته بـ"حزب الله".

قال الأشياء كما هي واعدا بأن يكون "رئيسا لجميع اللبنانيين" مركّزا على عبارة "لبنان اوّلا" المحببة لدى جمهور "الرابع عشر من آذار" الذي اخرج القوات السورية من لبنان، لكنّه اضطر لاحقا الى العيش تحت التهديد اليومي لسلاح "حزب الله" الإيراني. هل يكفي الكلام الجميل لمواجهة الواقع الذي يعيش في ظلّه لبنان، بما في ذلك انخراط "حزب الله" الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري بكلّ فئاته من منطلق مذهبي صرف؟

خرج الجيش السوري من لبنان في السادس والعشرين من نيسان ـ ابريل 2005 بعد احتلال استمرّ نحو ثلاثة عقود، ليحل مكانه سلاح "حزب الله" الذي سارع الى دخول الحكومة اللبنانية، بحياء وخفر في البداية، تمهيدا لممارسة دور معطّل لكل مؤسسات الدولة اللبنانية.

قبل خروج الجيش السوري من لبنان، كان "حزب الله" مطمئنا الى الوصاية التي تمارسها دمشق على لبنان واللبنانيين وعلى مؤسسات الدولة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية. في عهد اميل لحود بين 1998 و2007، لم يعد رئيس الجمهورية اللبنانية اكثر من موظّف برتبة مدير عام في رئاسة الجمهورية السورية!

في ظلّ المستجدات السورية، حيث لم يعد بشّار الأسد سوى اداة تجاذب بين الروسي والإيراني، هناك لغز يواجه اللبنانيين. كيف سيتعامل سليمان فرنجيه مع "حزب الله"؟ هل يستطيع لعب دور في التخفيف من وطأة تلك الميليشيا المذهبية التي عطّلت الحياة السياسية والعمل الحكومي، كما عزلت لبنان عن محيطه العربي وجعلت اهل الخليج ينأون بنفسهم عن لبنان؟

لم يخدم عهد سليمان الجدّ لبنان واللبنانيين، كما وعد في مقاله "وطني دائما على حق". في عهده بدأت الحرب الأهلية وحروب الآخرين على ارض لبنان. كان ذلك في العام 1975. في اساس فشل سليمان الجدّ ثقافته السياسية المتواضعة وعدم معرفته بالتوازنات الإقليمية والدولية، فضلا عن احاطة نفسه بعدد لا بأس به من المستشارين الفاشلين من اشباه المثقّفين. فضلا عن ذلك، لم يكن يدرك المعنى الحقيقي لوصول حافظ الأسد الى السلطة في سوريا واحتكاره لها واطماعه في لبنان. كان الرئيس السوري الراحل الذي نفّذ انقلابه في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1970، اي بعد اقل من شهرين من دخول سليمان فرنجيه الجدّ قصر بعبدا، يعتبر الإنتصار على لبنان بديلا من الإنتصار على اسرائيل وكان يستخدم الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان لتأكيد انّه يمتلك الورقة الفلسطينية. رفع شعار شعار "القرار الفلسطيني المستقلّ بدعة". دفع لبنان ثمنا ثمنا غاليا نتيجة رفعه هذا الشعار.

لا شكّ ان صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية في 2015 تختلف تماما عن تلك التي كان يمتلكها المقيم في قصر بعبدا في 1970. هناك فارق خمسة اربعين سنة بين انتخاب الجدّ رئيسا، بفارق صوت واحد في مجلس النوّاب، واحتمال وصول الحفيد الى هذا الموقع، بفضل تفاهم مع رئيس الوزراء السابق سعد الحريري.

في ايام الجدّ، لم يكن اي طرف يمتلك القدرة على تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية. في ايّام الحفيد، ليس واردا انتخاب رئيس من دون ضوء اخضر من ايران. لم يحسن الجدّ التعاطي مع النظام السوري. هل يحسن الحفيد التعاطي مع ايران ممثلة بحزبها المذهبي المسلّح الذي اقام دويلته على حساب الدولة اللبنانية ووضع يده على المؤسسات الرسمية واستباح الحدود بين لبنان وسوريا جاعلا الرابط المذهبي يعلو على كلّ ما عداه، بما في ذلك السيادة اللبنانية... او ما بقي منها؟

من حسنات سليمان الحفيد انّه لم يكذب على احد في المقابلة التلفزيونية. قال الاشياء كما هي من دون مواربة. كشف حتّى الحجم المتواضع لمعرفته بما يدور حول لبنان. هل يُعتبر ذلك كافيا للوصول الى قناعة بأن ليس امام لبنانيين كثيرين غير الرهان عليه، على الرغم من ان رفع ايران الفيتو الذي تمارسه على انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية ليس مضمونا مئة في المئة بعد؟

الخيار امام اللبنانيين صعب، بل صعب جدا. لم يكن خيارهم على سليمان الجدّ في محلّه بأي شكل. لم ينفّذ اي كلمة من تلك التي وردت في مقال "وطني دائما على حق".

يبدو خيار سليمان الحفيد خيارا اجباريا، على الرغم من انّ في الإمكان ايجاد من يتمتّع بمواصفات تليق برئيس للجمهورية اللبنانية القادر على استيعاب المعادلات الداخلية والإقليمية والدولية بشكل افضل.

يبقى في نهاية المطاف هل يعتبر الفراغ الرئاسي خيارا... حتّى في وقت لا وجود سوى لضمانة وحيدة هي ان سليمان الحفيد افضل بمراحل من شخص مثل ميشال عون جعله هوسه برئاسة الجمهورية يتحوّل الى "جندي لدى الوليّ الفقيه"، بعدما قبل في الماضي ان يكون "جنديا صغيرا في جيش حافظ الأسد"!

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>