First Published: 2015-12-24

نشر الإسلام.. في الزمن الطائفي!

 

تصدير المذاهب، لا نشر الإسلام، هو ما يشغل دعاة هذه الأيام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

تم الدخول إلى الإسلام، في عهد الفتوحات والغزوات، على أساس العقيدة الواحدة، فالأذان واحد وهيئة الصلاة واحدة، والخمس مرتبط بغنائم الحرب. لم يظهر اختلاف آنذاك حتى بدايات العهد العباسي (132-656هـ). لكن الولاء السياسي بدأ يتوزع قُبيل العهد الأموي، بين السلطة والمعارضة، ومع ذلك لم يُخش على نشر الإسلام من تعدد عقائدي بقدر ما كانت الخشية من ولاءات سياسية.

كان القتل والتنكيل يجري لسبب سياسي، يغطى عادة بالدِّين، ويوصف الخصم بالكفر والخروج مهما كان تقياً، ولم تظهر دعوة أو ثورة إلا باسم الدين، وتسمية المخالفين بالخوارج جاءت على هذا الأساس، حتى ظهرت في العصر العباسي أحاديث تحرِّم الخروج على الحاكم، وذلك لكثرة الثورات والحروب الداخلية.

يغلب على ظني أن أول ظهور لتلك الأحاديث مدونة في كتاب «الخراج» لأبي يوسف (ت 182هـ)، ولو نجح الثائرون آنذاك في تأسيس دولهم ما غيروا شيئاً في الدين ولا سطوة الحكم، لأن الجوهر كان سياسياً، فالقبلة واحدة والكتاب واحد، وما زال الحال قائماً، على الرغم مِن شدة التكفير وكثرة القتل. فلو وقف آنذاك أموي وعباسي وعلوي وخارجي أمام المحراب لما ميزت بين صلاتهم، غير أن الأمر اختلف بعد تأسيس الدول، على أساس مذهبي، حيث التقاليد الدينية. فالعبيديون، نسبة إلى أبي عبيد الله المهدي (ت 322هـ)، أو الفاطميون (297هـ)، اختلفوا رسمياً في الآذان، وكذلك الحال بالنسبة لمَن أسلم على يد الزيديين ببلاد فارس، بينما صار الإسلام ثلاث دول موحدة بالقبلة والكتاب والنبوة ومختلفة بالإمامة: العباسية ببغداد، والأموية بالأندلس، والفاطمية بمصر، فصار التبشير بالإسلام يتم على أساس ولاءات تلك الدول.

في ظل ذلك الخلاف الطائفي الحاد، يُستغل نشر الإسلام سياسياً، فالكسب مهيأ لتنظيم جماعات موالية. صحيح أن المسلمين الأتقياء يرون في نشر الإسلام نصراً، لكن هذا الانتشار، وفي هذا الظرف، يشكل بؤراً لحروب تُحركها السياسة، والمسلمون الجدد يتعبدون على أساس المذهب على أنه الهوية.

لم يتوقف إرسال الدعاة، من المؤسسات الدينية، إلى الشعوب المختلفة، وكانت تجري بلا سياسة، كلُّ داعية يدعو إلى مذهبه، وبعد التكاثر ورفع الشعار السياسي أخذت القرى والمحلات تتواجه بموروثها، كلٌّ منها يعد مذهبه هو الإسلام، بينما منطق تناحرهم لا يختلف عن تقاليدهم قبل إسلامهم.

لا أظن أن هؤلاء الدعاة بين تلك الشعوب سيقدمون الإسلام النقي مِن المذهبية، لأن هذا الإسلام لم يعد موجوداً، فكيف الحال إذا أستغل سياسياً وحزبياً، وكم تترك المواجهات من مشاعر الثأر الموجودة أصلاً بمنطق القبلية، ثم لبست المذهبية الدينية، حيث الأسلمة تحصل بإسلام رئيس القبيلة ثم القبيلة على ما هي عليه، لا وعي ولا علم، والغرض المباهات بالعدد، وتشكيل قوى حزبية، وبتلقين المختلف لا المؤتلف.

نعم، يُضيف السباق على نشر الإسلام أعداداً كبيرة إليه، لكنه سيأخذ، بشكله المذهبي، تقاليد قبائلية بنيجيريا أو راوندا مثلاً، مع أن وجود أكثر مِن مليار مسلم في العالم لا يبرر الحاجة لكسب جديد يأتي محملاً بالعصبية.

تجري منافسة على غدق أموال لبناء ومساجد ومراكز إسلامية، مِن أجل المسلمين الجدد، لكن لا أحد يفكر في النتائج، وكيف تُستغل تلك المراكز لتخريج جماعات مثل «بوكو حرام» السنية، وماذا يعمل زعيم شيعة نيجيريا بصورة ولي الفقيه في مكتبه، بمعنى أن إسلام هؤلاء قد حُدد سياسياً، ولا أظن أن «بوكو حرام» ستزيد السنة قوة، إنما تُحملها أفعالها المريعة، ولا أتباع زكزاكي سيحققون أنتصاراً للشيعة بتأسيس دولة، بقدر ما يستخدمون أداةً. إنها حروب مذاهب السياسة لا الديانة.

إن الإسراف في القتل، الذي تقوم به الجماعات بدافع الانتقام الطائفي، ويُستغل فيه هؤلاء المسلمون الجُدد، لم يبرره الأتقياء القدماء، فمثلاً على الرغم مِن قسوة الأمويين على العلويين إلا أن عبدالله (قتل عام 143هـ) حفيد الحسن بن علي حاول وقف داوود بن علي (ت 133هـ) العباسي وهو في ذروة غروره، عن إسرافه بقتل الأمويين: «يا ابن عمّ إذا أسرفت في القتل لأكفائِكَ فمَن تباهي بسلطانك» (الزمخشري، ربيع الأبرار).

هل تتصورون أن القتل الذي حصل بين أبناء العم من عباسيين وأمويين كان دينياً؟ فكيف لنا فهم أن المَقاتل الطائفية بين حديثي الإسلام بأفريقيا وغيرها دينية؟! أرى في مثل هذه الأيام أن تتوقف المنافسة على الكسب المذهبي إلى الإسلام، فحال من يسلم على أساس كراهية طائفية، سيكون على شاكلة من يكسبه: «وزنا الكأس فارغةً وملأى/فكان الوزن بينهما سواءُ»(ربيع الأبرار)، أي لا ينفع الإسلام شيئاً.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
الحسين.. عامل وحدةٍ لا فُرقة
2016-11-23
معرض الشارقة.. مواجهة الفكر الهدام
2016-11-16
أمّ الربيعين.. «يا مَن فقتِ حسنهما»
2016-11-09
المزيد

 
>>