First Published: 2015-12-28

نوستراداموس عربيا

 

بعد أن كانت اسماء الزعماء والقادة ثابتة مثل الظواهر الطبيعية جاء زمن الاسماء الحركية التي لن تترك أثرا بعدها حين يختفي حاملوها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل تحتاج السنة العربية إلى تأليف كتاب من نوع "النبوءات" الذي الفه الفرنسي نوستراداموس في القرن السادس عشر؟

لقد جرى كل شيء في السنوات الاخيرة خارج حدود التوقعات. وإذا ما كان المنجم الفرنسي قد كتب نبوءاته على هيئة ألغاز مبهمة، تم تفسيرها بما ينسجم مع ما حدث من بعده بقرون فإن نوسترادموس العربي لن يحتاج إلى كثير من الجهد لتبدو نبوءاته ملغزة.

ما بدأ مبهما سينتهي مبهما من غير ان يشعر احد بالحاجة إلى فهم ما جرى. فما من وقت للقيام بذلك. ستسلمنا الوقائع، واحدة إلى الآخرى من غير أن تتيح لنا فرصة الالتفات والمراجعة. حتى مساءلة الذات لن تكون ممكنة. فهل سأل الفلسطينيون انفسهم عما جرى بعد أوسلو، التي لا يزال ركنها العربي حاضرا بيننا؟ كانت الاتفاقية التي جرى توقيعها في غفلة من الشعب الفلسطيني نبوءة في حد ذاتها.

كان ادوار سعيد صريحا في قوله "لقد وقع الاختيار على أسوأ العروض".

ولكن العراقيين لم يختاروا بأنفسهم مصيرهم. لقد جاءتهم المصائب، واحدة تلو آخرى إلى أن أسودت الدنيا في عيونهم بمصيبة الاحتلال الاميركي. وهي واحدة من أعظم النبوءات التي ستحكم الخناق على العالم العربي لعقود مقبلة.

هل قرأ العرب تلك النبوءة بطريقة خاطئة؟

شيء من هذا القبيل كان قد وقع، فهل يمكن تفسير استمرارهم في الخطأ؟

لقد فسر الكثيرون صعود التيارات الدينية من جهة كونه ظاهرة طبيعية في مجتمع سدت أمامه الآفاق. وهو ما كان مرئيا بالنسبة للغرباء منذ خمسينات القرن الماضي، يوم كان المشروع القومي في بداية تألقه وكانت الدول الوطنية المستقلة لتوها تحبو.

لم يكن الخبراء الغربيون منجمين حين توقعوا أن يؤول الحكم إلى الجماعات الاسلامية التي كانت يومها تفكر بطريقة انقلابية. وهو ما قادها مرات عديدة إلى الاصطدام بأنظمة الحكم الشمولية.

ما حدث بعد ذلك كان جزءا من التاريخ الدموي الذي عاشته المنطقة في دائرة من العنف لم تخرج منها إلا حين دقت طبول الربيع العربي. حينها اتسعت تلك الدائرة التي غادرها اللاعبون الاساسيون ليطا أرضها لاعبون جدد، ستكون هويات الكثير منهم محل استفهام، وقد تبقى كذلك إلى النهاية. ذلك لأن عصف الكارثة سيُحل اسماء محل آخرى بما لا يتيح فرصة للقراءة.

بعد أن كانت اسماء الزعماء والقادة ثابتة مثل الظواهر الطبيعية جاء زمن الاسماء الحركية التي لن تترك أثرا بعدها حين يختفي حاملوها. هناك مَن يحرك على شاشة كومبيوتر بحجم الكف الاسماء فيضعها على طرق تتوازى وتتقاطع وتتداخل في ما بينها لتتشكل صورة المتاهة التي صارت بديلا عن صورة العالم العربي التي ورثناها مرسومة في الخرائط المدرسية.

كان هناك بلد اسمه سوريا. اليوم صارت حدود ذلك البلد السياسية غير واضحة. هناك زلزال وقع كان هو السبب في أن تزاح مناطق بأكملها عن أماكنها الاصلية على الخريطة معلنة انفصالها غير الرسمي.

البلد الذي لا يزال محتفظا بحدوده الخارجية تعرض للتفكك الداخلي.

وهو ما نراه مجسدا في العراق. ومن المؤكد أن اليمن وليبيا لن يكونا بعيدين عن ذلك الاحتمال في مستقبليهما.

ولكن ماذا عن دول مجلس التعاون الخليجي ومصر التي لا تكاد تمشي بعربتها الثقيلة؟ في العام المقبل ستكون قطر في أسوأ أحوالها. فجماعة الاخوان المسلمين التي ترعاها قطر لن تستعيد الحكم في مصر. وهي مشكلة تقض مضاجع القطريين.

هناك ارث ثقيل من المشكلات سيكون على القطريين تصريفه، قبل أن تنكشف الغمة عن صدر هذه الامة. هناك اليوم أكثر من اربعئمة جماعة مسلحة، بعضها يدين بالولاء إلى إيران، لن يتمكن العالم العربي من رؤية غده ما لم يتمكن من كنسها.

سياسيا لن يتمكن العالم العربي من النهوض عام 2016، غير أن رغبة المجتمع الدولي في وضع نهاية لصراعه المعتق في هذا الجزء من الارض ستضع حدا لمهزلة، لن يتمكن أحد من وصف أبعاد مأساتها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
خذو عيني شوفو بيها
2017-03-15
صدمة اردوغان والصمت الاوروبي
2017-03-14
تونس ومزاج الثورة
2017-03-13
المزيد

 
>>