First Published: 2015-12-29

الغربان ترتدي ربطات العنق

 

اللامبالاة ليست مرضا إذا كانت من أجل الصفاء الذهني ومن أجل غاية تحقيق ما يطمح له دماغ المرء، لكنها تصبح صلفا ووضاعة عندما تصيب من هو في السلطة عن كل ما يدور حوله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لا تمتلك السلطة مواصفاتها التاريخية ولا قوتها عندما تتخلى عن كرامتها، كما سلب تغير الزمن بانفتاح العالم على بعضه الجبروت منها، فلم يعد بمقدور تلك السلطة التي كانت ترتعش لها أبدان الناس كتم الأصوات، فما يحدث في شارع ضيق بقرية نائية يمكن أن يتداوله أهالي قرية أخرى تبعد عنها آلاف الأميال في نفس لحظة حدوثه.

التلفزيون صوت السلطة الوحيد أيضا فقد تفرده كمصدر للأخبار، ولم يعد بيد السلطة وحدها، فلكل مواطن تلفزيونه الخاص، بإمكانه بث ما يشاء عليه رغم أنف السلطة دكتاتورية كانت أم ديمقراطية!

المثير للتهكم أن السلطة بوصفها كيانا معنويا وبكل جبروتها السالف انصاعت بقدر ما للانفتاح بين جهات العالم وأدركت أنها لم تعد تتبوأ موقعها في أعلى الهرم بعد انهياره في مجتمع كوني مسطح، متشابك ومتواصل مع بعضه، لكن الذين “قذفوا” إلى أعلى السلطة في لحظة شاذة من التاريخ مازالوا يفكرون في عقلية الخليفة “أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك”!

وفي حقيقة الأمر لا هم يمتلكون السلطة بمواصفاتها الواقعية، ولا هم قادرون على التصرف بما يحملون على عاتقهم من سلطة منحت لهم أو استحوذوا عليها، يدركون في قرارة أنفسهم أنهم يديرون حكومة افتراضية لا تتعدى حدودها المنطقة الخضراء كما في العراق مثلا!

إذ صارت هناك للرماد أجنحة وارتدت الغربان ربطات العنق لتتجول في التاريخ، لذلك فهم لا يعدون أكثر من صفير في الظلام مثلما وجدوا، فتراهم يسعون إلى تعلم طرق جديدة في الاستحواذ على كل ما يقع بين أيديهم أو أمامهم. لم يفكروا ولو للحظة واحدة بالدلالة العميقة في اختبار الذات تحت وطأة السلطة.

هل سنجد أيا منهم واقفا أمام المرآة ليسائل نفسه في فرصة نادرة للاختبار؟

اللامبالاة ليست مرضا إذا كانت من أجل الصفاء الذهني ومن أجل غاية تحقيق ما يطمح له دماغ المرء، لكنها تصبح صلفا ووضاعة عندما تصيب من هو في السلطة عن كل ما يدور حوله. تماما كصلف اللص المبتسم بوجه ضحيته، عندما يمثل أمامه دور من أعاد له حقوقه.

وغالبية رجال السلطة اليوم أشبه بلصوص يبتسمون بوجه ضحاياهم، وهذا يفسر الجملة الأولى التي نطق بها أحدهم في أول استوزار افتراضي له في حكومة المنطقة الخضراء بقوله “… عندما كنا، واليوم نحن نستلم الحكم!”. يا للحكم الجديد الذي ارتد طائفيا وفقد كرامته بالتنازل المريع عن القيم، مع أنه لم يكف عن الحديث عن تلك القيم، ويا للخجل!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عبث إخباري
2017-12-10
زهايمر متعمد
2017-12-05
مليون دولار من أجل حرية الصحافة
2017-12-03
رجال دين ببدلة الأفندية
2017-11-28
الإعلام القديم يترقب ما بعد الرقمية
2017-11-26
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
المزيد

 
>>