First Published: 2015-12-30

قريبا من الحياة، بعيدا عن السياسة

 

جماعات الاسلام السياسي قد وجدت حطبها جاهزا، ما أن اتيحت لها الفرصة للظهور العلني بعد انهيار الجزء الاكبر من النظام السياسي التقليدي العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما من شيء اسوأ من أن يقوم المرء بمتابعة نشرات الاخبار في مواعيدها. أعرف أناسا أصيبوا بهذا المرض العضال فصاروا يستمعون إلى الخبر الواحد عشرات المرات في اليوم من غير أن يشعروا بالملل وبعبث ما يقومون به.

لقد التهمت الأخبار الجزء الاكبر من حياتهم فصار عليهم أن يكتفوا بذلك الجزء الصغير المتبقي من حياتهم ليضعوا فيه كل ما يمت للعيش الشخصي بصلة.

في حقيقته فإن الشخص الذي أخذته الاخبار بعيدا عن حياته لا يعرف معنى محددا للحياة الشخصية. إنه نموذج للشخص الذي سُرقت حياته طوعا.

هذا الوصف يصح على كثير من البشر في العالم العربي.

وإذا ما كانت الوقائع المتلاحقة بسرعة بعد ما شهده العالم العربي من زلازل اصابت طرق التفكير السياسي التقليدية بمقتل قد جردت الإنسان العربي من قدرته على ادعاء الفهم في القضايا السياسي وفضحت عوزه الفكري وفقره المعرفي فإن ذلك لا يعني أن العرب قد اهتدوا إلى حقيقة عبث اهتمامهم بالسياسة.

غالبا ما يصف العربي الحديث السياسي بالمقبلات التي لا غنى عنها.

لذلك فإن جماعات الاسلام السياسي قد وجدت حطبها جاهزا، ما أن اتيحت لها الفرصة للظهور العلني بعد انهيار الجزء الاكبر من النظام السياسي التقليدي العربي.

كان هناك استعداد قبلي لدى غالبية الناس للقبول بالوصفة التي تمزج بين الديني والسياسي مع الاعتراف بأسبقية وأفضيلة الديني على السياسي. وهي الوصفة التي كانت مفتاحا لنشوب الحروب الاهلية في العراق واليمن وسوريا وليبيا، بسبب ما تنطوي عليه تلك الوصفة من اغفال متعمد لمشروع الدولة الوطنية الذي صار نوعا من الماضي.

فجأة وجد أدعياء الفهم السياسي من العرب وهم كثر أنفسهم غارقين في متاهة السؤال السياسي الذي يسعى إلى الفصل بين الدين وبين ما فعلته الجماعات الدينية، مقتنعين بحق رجال الدين (الاتقياء) في التدخل في الشأن السياسي.

وهنا انكشفت هشاشة ورثاثة الفهم العربي لعالم السياسة. وهو عالم لم ينتقل إليه العرب المحدثون بطريقة محترمة وليقة ومـتأنية عبر أكثر من نصف قرن من تداخل العسكري بالسياسي، حين تولى العسكر مقاليد الحكم وصاروا يتخذون القرارات السياسية، وفقا لما تمليه عليهم عقولهم الساذجة.

استسلم العربي لرجال الدين مثلما فعل من قبل مع العسكر.

حتى بعد وقوع الكارثة التي جسدها الربيع العربي لم ينتبه أحد إلى أن السياسة في العالم العربي هي من صنع الهواة وما من شيء فيها يذكر بمهارة المحترفين وتقنياتهم في اللعب من أجل مصالح شعوبهم.

السياسيون العرب في الجزء الأغلب منهم هم نتاج شعب يهوى الحديث في السياسة من غير أن يمارسها عمليا على أرض الواقع. وقد يكون صحيحا القول إن هناك ثقافة سياسية في ظل غياب كامل للحياة السياسية.

حتى الاحزاب فإنها لم تكن كيانات سياسية بقدر ما كانت قبائل سلمت قيادها لعوائل متنفذة تحكم سيطرتها عن طريق السلطة أو المال. لا فرق في ذلك بين لبنان المتعدد في ولاءاته وبين سوريا التي استسلمت أكثر من أربعين سنة لحكم عائلة الاسد.

لقد اكتفى العرب بالمقبلات في حين حرموا من اختيار الوجبات الرئيسة التي كان اختيارها ولا يزال حكرا على مَن يقفز إلى السلطة باسلوب لا يمت للسياسة بصلة. وهو ما يجعلني أنظر بحسرة إلى زمن ضيعه العرب في البحث عن كلمات متقاطعة، كانت حياتهم الحقة تتسرب بين حروفها، من غير أن يدركوا أن ما خسروه من الحياة لم يكن في إمكانهم أن يربحوه عن طريق السياسة.

أمنيتي للعام القادم أن يدير العرب ظهورهم للسياسة ويبدأوا في إكتشاف الحياة، فهي الشيء الوحيد الذي يستحق أن يظل المرء من أجله حيا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
مشردو اليوم هم سادة المستقبل
2017-05-13
المزيد

 
>>