First Published: 2016-01-02

معارضة من غير معارضة

 

معارضو النظام العراقي السابق لا يتخلون عن وهم وجود ذلك النظام، بالرغم من أن كل شيء من حولهم يشير إلى أن النظام الذي عارضوه قد محي بشكل نهائي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حين حمل الغزاة الاميركيون المعارضة العراقية الى السلطة تيسر للعراقيين أن يروا لأول مرة في تاريخهم معارضة تقفز الى السلطة.

كانت الطريقة التي تم فيها ذلك الامر مؤلمة وغير مشرفة.

فالحدث التاريخي غير المسبوق عربيا جاء مكملا لماساة، عاشها العراق وهو يتصدر اهتمام الغرب بطريقة سلبية، سهلت على الولايات المتحدة أن تحدث تحولا في مفهوم الاستيلاء على السلطة الذي كان متبعا في العراق.

بدلا من الانقلاب العسكري الذي لم يكن ممكنا في ظل وجود نظام محكم كنظام الرئيس الراحل صدام حسين كان البلد كله قد تم قلبه من أجل أن يكون ذلك الحدث ممكنا. كان العراق هو ثمن الوصول إلى السلطة.

غير أن المعارضة التي تحكم العراق منذ عام 2003 لا تزال غير واثقة من أن السلطة قد حسمت لها بشكل نهائي.

لذلك لا يزال هناك مَن بين سياسيي العراق الجديد مَن يعتقد جازما أن أية معارضة لمشروعها الذي لم تتيبن ملامحه حتى الآن انما تهدف إلى زعزعة قدرتها على الامساك النهائي بالسلطة.

ربما يعود السبب في ذلك إلى أن المعارضة وهي تحكم البلد بعقلية المعارضة لا تصدق ان ما كسبته سيدوم لها، لذلك تفشى الفساد في محاولة للتسريع في توزيع الغنائم والهرب بها. وهو ما جرى فعلا، من غير أن تجرؤ كتلة واحدة من الكتل السياسية على التصدي لغول ذلك الفساد.

تاريخيا فإن المعارضين العراقيين الذين انتقل جزء منهم إلى الحكم لم تكن لهم كلمة مسموعة قبل أن تقرر الولايات المتحدة تجميعهم مستعينة بالمتعاونين معها في مؤتمرات، تمهيدا لتتويجهم بدءا من توزيع المناصب عليهم في مجلس الحكم وانتهاء بتأليف الحكومات التي صارت حصصا بين مَن احتكروا بقوة المحتل تمثيل الطوائف.

لهذا يمكننا الحديث عن معارضة لم تعش معارضتها المعلنة إلا حين رعتها الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا. قبل تلك الرعاية كان المعارض العراقي يمشي متلفتا حتى وإن كان يحظى بحماية الدولة التي يحمل أوراقها الثبوتية.

ذلك النوع من المعارضين لا يمكنه أن يفهم الآليات التي تتشكل وفقها المعارضة وتعمل بموجبها والاهداف التي تسعى إليها، فهو لم يعمل بصيغة المعارضة المنظمة إلا حين تم استعماله في مشروع هو أكبر منه.

معارضو النظام السابق لا يتخلون عن وهم وجود ذلك النظام، بالرغم من أن كل شيء من حولهم يشير إلى أن النظام الذي عارضوه قد محي بشكل نهائي. بل يزال ذلك النظام يقض مضاجعهم لأنهم لم ينجحوا في اقامة نظام سياسي بديل، يكون في إمكانه أن يستوعب حكمة وسلامة أن تكون له معارضة.

ما لم يكن المعارضون العراقيون السابقون قد أدركوه في حياة المعارضة لن يتمكنوا من ادراكه في حياة الحكم. تخيفهم المعارضة بالقوة نفسها التي لا يزال النظام السابق يخيفهم بها.

ألهذ السبب جرى النظر إلى كل معارضة للحكم القائم في العراق من جهة كونها جزءا من النظام السابق؟

كان ذلك التماهي مريحا بالنسبة لمَن لا يرغب في أن يعترف بحق مَن يختلف معه في أن يعارضه. وهنا تتاكد النظرية التي تقول بقدرة انظمة الاستبداد على خلق معارضة تشببها لتكون مرآة لها حين تحكم.

لن يكون من باب السخرية أن المعارضين العراقيين السابقين الذين أصبحوا الآن حكاما لن يتخيلوا أن هناك معارضين عراقيين سيظهرون من بعدهم. لقد انتهى زمن المعارضة بسقوط نظام صدام حسين.

فهل يمكن أن يعارض المرء شخصا لا يزال يحكم بمنطق المعارضة؟

الملهاة ــ المأساة العراقية يمكنها أن تقترح علينا اسئلة محيرة عديدة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
المزيد

 
>>