First Published: 2016-01-05

إعدامات السعودية: في العصبية والولاء!

 

ما زالت طهران تعتاشُ من اصطفاف مذهبي حاد ومن عصبية شاملة تمنح الحاكم في طهران شرعية حكم وتسلّط يوفّرها صراخ المستنكرين في الخارج قبل أولئك في مشهد وطهران.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

استجابة لفتوى صادرة عن مرشد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني (شباط / فبراير 1989)، اندلعت مظاهرات لدى الشيعة في باكستان احتجاجاً على رواية سلمان رشدي الشهيرة "آيات شيطانية". انتشرت عدوى المناسبة لتطال نُخباً وعامة من المسلمين، لكن أمر ذلك سلّط مجهراً على الجانب الأممي العابر للحدود في خطاب الزعيم الإيراني، كما على جانبه الاستقطابي لعامة الشيعة في العالم.

نجحت الثورة في إيران، في بداياتها، في شدّ جمهور عريض في العالم. كان العالم منقسماً في موسم الحرب الباردة بين يسار ويمين. وجد الغرب في حراك الخميني سلوكاً تحررياً من ديكتاتورية الشاه، لاسيما وأن المسعى الثوري الإسلامي يعزز وقوف إيران في المعسكر المعادي للإمبراطورية السوفياتية الملحدة. وقف هذا الغرب آنذاك، إعلاماً وأنظمة وأجهزة، مرحباً بالتغيير، وهو الذي رفض ذلك الذي قاده الدكتور محمد مصدّق في خمسينات القرن الماضي وانقلب عليه (1953) معيداً الشاه إلى عرش البلاد. بالمقابل وجد يساريو المنطقة، والعالم أجمع، في الحدث استجابة لما انفكوا يبشرون به، لاسيما أن التيار اليساري في حراك الإيرانيين كان أساسياً وسابقاً في دبيبه على صحوة الخمينيين.

وسط ذلك الإجماع الأممي تعززَ نزوع الشيعة في العالم للارتباط وجوداً وهوية ومصيراً بمآلات الثورة في طهران. وعلى خلفية الأمر اندفع نظام الحكم الثوري الجديد في تصدير ثورته -كما وعد- من خلال حاملات مذهبية شيعية على نحو أدى إلى توريط عموم الشيعة في التسويق لمصالح النظام السياسي لبلد لا ينتمون إليه.

إختصر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أمر ذلك بتصريحه (2006) الذي أثار جدلاً حول ولاء الشيعة لإيران، وكان سبق موقف القاهرة موقف عمّان على لسان العاهل الأدني عبدالله الثاني (للواشنطن بوست عام 2004) في إثارته لأخطار ما أطلق عليه إسم "الهلال الشيعي". على أن تصريحيّ الزعيمين سلّطا المجهر على حالة تصدّع في اللحمة الاجتماعية المشرقية وفق أسس مذهبية عملت إيران على رعايتها، فيما لم يسعٓ العرب إلى كبحها، بما قُدِّم وكأنه إستسلام لأمر واقع.

أحدث الانقسام الشيعي السنّي استقطاباً للشيعة صوب إيران دون أن يؤدي نفس الإنقسام إلى جهة استقطاب واحدة بالنسبة للسنّة. لم يشعر السنّة أنهم معنيون بالاحتلال السوفياتي لأفغانستان، أو مدافعون عن "غزوة" القاعدة النيويوركية، أو مستهدفون بالحربين ضد العراق، أو حتى مجمعون على حرب العراق ضد إيران. بقيت ولاءات السنّة محلية منقسمة في نوازعها، وفق أمزجة سياسية، قليلاً ما لعب الجانب المذهبي دوراً فيها.

في ذلك ما يفسّر عدم تحرّك السنّة بصفتهم سنّة ضد حروب وحالات قمع وتعسف طالت سنّة. وقف الرأي العام العربي (بغالبيته السنّية) مع الإتحاد السوفياتي في حربه في أفغانستان اتّساقاً مع خلفية علاقات التحالف التي نسجتها الأنظمة العروبية (البعثية والناصرية.. إلخ ) مع النظام في موسكو. وفق نفس المنطق حظيت إيران الثورة بتعاطف عربي ما (نقصد الرأي العام)، ذلك أنها ثورة كانت تدغدغُ ما تربّوا عليه من توق لإسقاط الانظمة المتحالفة مع الغرب وفق نفس المزاج الذي وقف ضد "حلف بغداد" قبل ذلك.

في سلوك السنّة منطق جعلهم منقسمين بين مزاج ثوري كانت تقوده مصر عبدالناصر ومزاج محافظ تقوده المملكة العربية السعودية. وفي منطق الشيعة، ما بعد الثورة الإسلامية في إيران، تخندقٌ واحد لا جدل داخله لصالح مزاج طهران ورأي السلطة فيها. بمعنى آخر، نجح الفعل الإيراني في سحب الشيعة من موقعهم كمواطنين داخل البلدان التي ينتمون إليها، إلى مجرد رعايا تجمعهم الطائفة ويقودهم الولي الفقيه، سواء كانوا لبنانيين أو بحرينيين أو أفغان. بكلمة أخرى، تحوّل الوعيُّ الشيعي إلى جزء من وعيّ شامل عام يقوم على التأثر والتأثير بناء على الهوية الشيعية فقط.

في القلاقل التي تلت انتخاب محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية (2009)، أبدى الشيعة في العالم قلقاً على مآلات الحدث وتداعياته على مصيرهم. كان الحدث إيرانياً يمثّل علّة إيرانية وجدلاً يخوضه إيرانيون ويفترض أن لا يهم مصيرياً إلا الإيرانيين. بيد أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للشيعة في العالم، فقد نجحت طهران في إقناع عوام الشيعة في العالم عامة وداخل البلدان العربية خاصة أن مصيرهم بات متصلاً حياتياً بمصير النظام في إيران.

في التسليم بالأمر الواقع مشاهدُ باتت في علم الدبلوماسية تعتبرُ الاحتجاج الإيراني على حدث ما، أصاب أو تعرض له أو يهدد، شيعة ما في مكان ما، أمراً روتينياً عادياً قلما يُقابل ببديهية رفض التدخل في شؤون بلدان أخرى أو رفض الاستسلام لاعتبار شأن المواطن الشيعي في كل مكان شأناً إيرانياً مباشراً. تتعامل إيران مع الشيعة في العالم بصفتهم جزءا من أمبراطورية الولي الفقيه، تماماً كما كان أدولف هتلر يعتبر الناطقين بالألمانية في العالم جزءا من الرايخ يجوز ضم الأراضي التي يسكنونها إلى أراض الأمبراطورية الأم.

في ردود الفعل التي ظهرت في البحرين وايران وباكستان ولبنان..إلخ إثر اعدام الشيخ السعودي الشيعي نمر النمر، ما يفسّر وحدة المصاب الذي انسحب على الشيعة في المنطقة في ما هو حدث سعودي محلي يفترض، في بعده الأقصى، أن يثير ردود فعل محلية. ولئن كان بعض ردّ الفعل يشوبه تدبير توحي به أجندة طهران، فإن تحرّك الشيعة في ذلك المضمار عضوي لا يحتاج كثيراً إلى تحريض الحاكم في إيران، فيما عمليات الإعدام التي تطال معارضين في إيران، وبينهم سنّة، قلما تثير ردّ فعل آلي للسنّة في الدول العربية.

بهذا المعنى، يمكن ملاحظة أن الشحن المذهبي السنّي، والذي تمارسه أنظمة وأجهزة وتيارات وجماعات انتهاء بالقاعدة وداعش لم يستطع أن ينتج وعياً مذهبياً جماعياً واحداً يجعل من مصير واحدهم متعلّق بمصير آخرهم. بهذا المعنى أيضاً، يمكن ملاحظة أن ولاءات السنّة ما زالت متفرقة متعددة، يُفهم موقف السنّة في مصر ودول المغرب العربي مثلاً (حيث ينعدم التماس المذهبي)، والذي يمكن أن يعبّر عن تفهّم للموقف الإيراني، حتى في بعده الشيعي، فيما لا تجد داخل عوام الشيعة (باستثناء أولئك المجاهرين بعداء لنظام الحكم في إيران ورفض لنظرية ولاية الفقيه) أي هامش للانفتاح والمناورة خارج ما تجيزه القواعد العامة للسياسة في إيران (لاحظ انقسام السنّة في دعم "عاصفة الحزم" في اليمن، مقابل الإجماع الشيعي على دعم الحوثيين وتأييد الموقف الإيراني هناك).

في المحصلة لا يستوي الحكم في إيران، وحتى اشعار آخر، على أسس الحاكمية الحديثة في العالم. فدستور الدولة وقوانين انتاج مؤسساتها فيها يخضع لمحددات تجعل من المذهبية وتقديس مصالح الحاكمين فيصلاً في ولوج العملية السياسية وحتى الاقتصادية المصلحية برمتها. وعلى ذلك ما زالت طهران وفق شروط، لم يغيرها الاتفاق النووي، تعتاشُ من اصطفاف مذهبي حاد ومن عصبية شاملة تمنح الحاكم في طهران شرعية حكم وتسلّط يوفّرها صراخ المستنكرين في الخارج قبل أولئك في مشهد وطهران. والعصبية الشيعية في تراثنا لا يوفّرها صدام مع غرب وقتال ضد إسرائيل بل تنافر مع السنّة، سلطة دين وسلطة سياسة، فتلك فقط تعيد انارة زواريب في تاريخنا ترجع بنا إلى زمن كربلاء والفتنة الكبرى التي سبقتها منذ ما قبل صفين.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنفى

هراء تحويل رجل عادي خميني لروح الله؟كفوا عن المغالاة والا فأنتم لاتكفون استفزاز المقابل لتبني روحا لله سني متطرف كابو بكر بغدادي كرد فعل تكفير لفعل التفريط الشيعي لرموز العالم السني(سب الصحابة مثلا)واستفزاز لتطرف سني بإفراط شيعي بالمغالاة بطقوس تجافي العقل قبل الاخلاق ماا

2016-01-05

الاسم الظفيري
الدولة الكويت

وهذا بالضبط ماكان يهدف اليه مؤسس الدين الذي يحكم ايران الان وهو دين هدفه فقط مناكفة واضعاف العرب وابعاد تاثير الدين الاسلامي الذي حمله العرب الي بلاد فارس

2016-01-05

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>