First Published: 2016-01-07

أزمة قرامي و'فوبيا' المنع في مصر

 

لا يوجد اي سبب يمنع كاتبة تونسية معروفة في مواقفها من الاسلام السياسي من دخول مصر إلا تعثر اجراءات الدولة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

يبدو أنه مكتوب على مصر، حكومة ومواطنين، أن تترك كل شيء للصدفة حتى يتحول إلى أزمة كبيرة، ساعتها قد يتحرك البعض لتسكينها فقط، أو يهملها حتى تأتي أزمة أخرى ننشغل بها فننسى الأولى، دون أن يتكفل أحد، كبيرا أم صغيرا، بالتصويب ووضع الأمور في نصابها الصحيح.

هناك مجموعة كبيرة من الأزمات تؤكد الاستنتاج السابق، بدءا من الحديث المتواتر عن ما يسمى بحالات الاختفاء القسري، وحتى استمرار مسلسل غرق العبارات في مياه النيل، مرورا بانتهاك الحريات، إما بمنع البعض من ممارستها، أو اطلاقها بلا ضابط ورابط، وفي الحالتين جرت مياه كثيرة، لم نستطع أن نتبين منها الخيوط البيضاء من السوداء، وتركت المسألة للتخمينات والشائعات، وهو ما ولد شعورا بأن الحكومة غائبة تماما، وربما هناك من يستمتع بهذه الدرجة المرتفعة من السيولة.

من تجليات هذه الظاهرة ما حدث مع الكاتبة والأكاديمية التونسية آمال قرامي، التي تردد أنها منعت من دخول مصر يوم السبت الماضي، وخضعت للتحقيق من قبل جهات أمنية بمطار القاهرة لنحو 12 ساعة، ولم يقل أي مسئول لماذا منعت؟ ما منح كثيرين فرصة لاستثمار الحدث، وصب الزيت عليه، عن قصد أو بدونه، حيث كتبت الباحثة التونسية على صفحتها (فيسبوك) ما يثير الحيرة من النظام المصري، فهي تكتب بصحيفة الشروق المصرية منذ فترة، ومعروفة بتأييد الرئيس السيسي بمناهضتها للتيار الإسلامي المتشدد، وفضحت ألاعيب حركة النهضة التونسية، ومشهود لها بالكفاءة في هذا المجال، فكيف تمنع من دخول مصر، التي تتردد عليها دوما، وكانت مدعوة لحضور مؤتمر مكافحة التطرف، الذي استضافته مكتبة الاسكندرية هذا الأسبوع؟

من تابع مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام في مصر وخارجها، بعد أن حكت قرامي ما جرى معها، لا يشعر فقط أننا أمام امتهان للحريات، لكن يتيقن أن هناك حالة خطيرة من الارتباك في بعض مؤسسات الدولة المصرية، التي لم تقدم أي جهة فيها تفسيرا واحدا لمنع دخول الكاتبة التونسية، وفشلت اتصالات الجهة الداعية (مكتبة الاسكندرية) في الوصول إلى نتيجة محددة، وترك الأمر يتصاعد، وارتفعت بورصة الشائعات، وتم حصر القضية في خانة الحريات، وما يسمى بـ "فوبيا" المنع، الذي أصبح ملتصقا، بالحق والباطل، بكل ما له علاقة بحرفة الكتابة والإعلام في مصر.

من جانبي أفترض أن السيدة قرامي وجميع من دافعوا عنها، كانوا حسني النية عندما توقفوا عند المشكلة وتناولوها بالتشريح الإعلامي، وأعرض لكم قصة حكتها لي كاتبة تونسية أخرى، كانت قادمة على نفس الطائرة مع قرامي، قد تفسر أحد الأسرار العظيمة للمشكلة، التي خرجت من سياقها البيروقراطي، لتتحول إلى أزمة، تلقفها البعض، فأصبحت مثل كرة اللهب، كل طرف يقذفها في وجه الآخر، دفاعا عن نفسه، أو رغبة في إلصاق التهمة بجهات أمنية معينة، لم تقدر خطورة الموقف، وتعاملت معه بطريقة خالية من الحنكة والحكمة السياسية.

قالت صديقتنا التونسية، كانت لديها تأشيرة لدخول مصر صالحة حتى شهر فبراير المقبل، حصلت عليها عندما حضرت أيضا مؤتمرا للمكتبة في نوفمبر الماضي، وهو ما حدث بالضبط مع السيدة قرامي، لكنها فوجئت عن طريق الصدفة أن نظام التأشيرة الذي تعمل به السفارة المصرية في تونس لمدة ثلاثة أشهر قد تغير وأصبح لمرة واحدة، وهو ما يستوجب الحصول على تأشيرة جديدة لدخول مصر في هذه المرة، وقيل لها أن هذا إجراء قد يحتاج إلى حوالي أسبوعين للحصول عليها.

ولأن موعد مؤتمر مكتبة الاسكندرية لم يتبق عليه سوى ثلاثة أيام، كادت صديقتنا تفقد الثقة في حضوره، لكن مسئولين بالمكتبة خاطبوا مشكورين وزارة الخارجية وعرضوا عليهم المشكلة، فتدخلوا لدى السفارة المصرية في تونس، وحصلت الصحفية بالفعل على تأشيرة جديدة في نفس اليوم، ودخلت مصر في موعدها ولحقت بالمؤتمر.

تقديري أن هذا الموقف ربما يفسر سر أزمة الكاتبة آمال قرامي، والتي أعتقد أنها لم تكن تعلم بالنظام الجديد للتأشيرة، وعندما حاولت دخول مصر بالتأشيرة القديمة لم يكن ممكنا، ولم تتلق تفسيرا واضحا، وكان الطريق سهلا أمام الجميع لتوظيفها والعزف على وتر المنع، وتكرار اسطوانة انتهاك الحريات، والتي استفادت من حالة الغموض التي اكتنفت التحقيقات المطولة مع قرامي، دون أن تعرف بالضبط، على حد قولها، أسباب الاحتجاز وصممت على العودة لبلدها.

الواقعة تكشف عن جملة من العبر والدروس، أهمها وجود ارتباك مزمن في دولاب العمل بعدد من مؤسسات الدولة، والافتقار للتواصل بينها، وانعدام الجرأة لدى قطاع كبير من المسئولين، سواء في الاعتراف بالخطأ، أو تصحيحه، والافتقار إلى الخيال، لأن عدم تقدير العواقب، أدى إلى أزمة غير مبررة، وألصق بالحكومة اتهامات، تعاني منها أصلا، وفشلت على الدوام في تقديم المبررات الكافية والمقنعة لنفيها، ومنحت خصومها، في الداخل والخارج، فرصة لتثبيت الإدانة في ملف الحريات، الذي أصبح نافذة جذابة تقفز منها بعض الدوائر السياسية التي تريد النيل من النظام المصري.

كما أن القصة تؤكد عمق المخاطر التي تنطوي عليها حالة "الطناش"، وعدم استخدام سيف القانون، تجاه الكثير من التجاوزات التي تحدث في مجالات متنوعة، فالنار التي اشتعلت على خلفية مشكلة قرامي، أحرقت، بسبب الجهل، جانبا معتبرا من الخطاب الرسمي، الذي يتحدث عن احترام الحريات، ويكذب حجج المنع التي يرددها البعض، وأفرغته من مضمونه، فقد بقي في الأذهان أن الحكومة التي تتعامل بهذه الطريقة القاسية مع الأصدقاء، كيف سيكون حالها مع الخصوم؟

مطلوب قدر من العقلانية والوضوح والصراحة في مواجهة المشكلات، فالخجل الذي ينتاب البعض من عقاب مسئول، مهما بلغ حجمه، قد يفتح الطريق لعقاب شعب بأكمله.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>