First Published: 2016-01-10

لم يعد الصحفي محظوظا

 

الصحفيون اليوم ليسوا محظوظين بعد أن أدركوا أن دورهم كصانع للحقيقة وشارح لها قد ولى، وهم شركاء في أعمال مختلفة آخرها توزيع صحيفتهم على المنازل بأيديهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لن تكون أزمة التوزيع التي تعيشها صحيفة بوسطن غلوب الأميركية الاختبار الأخير للصحفيين في ممارسة جديدة فرضت عليهم، فقد باتوا يدركون أن مهنتهم ليست للمحظوظين كما كان ينظر لها قبل أن ينزلهم المواطن الصحفي من برجهم العالي.

الصحفيون اليوم ليسوا محظوظين بعد أن أدركوا أن دورهم كصانع للحقيقة وشارح لها قد ولى، وهم شركاء في أعمال مختلفة آخرها توزيع صحيفتهم على المنازل بأيديهم.

فقد تسلح محررون ومصممون ومنفذون ورسامون في صحيفة بوسطن غلوب هذا الأسبوع لتوزيع الصحيفة على المشتركين بعد إضراب عمال شركة التوزيع.

اضطر الصحفيون إلى ممارسة هذا العمل الشاق نسبيا بعد أن شعروا بأنهم على وشك فقدان قرائهم الأوفياء ما لم تصل الصحيفة إلى الآلاف من المشتركين.

وبالفعل تطوع مئة منهم لهذه المهمة الجديدة التي تثير لديهم مساحة من الحنين باستذكار الصورة السينمائية الواقعية التي كان يقوم بها الصبيان في توزيع الصحف على دراجاتهم الهوائية. “لم يعد الصبيان كما كانوا بالأمس وتحولت الدراجة إلى آي باد وهاتف ذكي”.

كانت رسالة رئاسة تحرير الصحيفة إلى العاملين فيها تنبههم إلى تداعيات الأزمة التي تعيشها صحيفتهم، وما معنى أن تطبع مئات الآلاف من النسخ ولا نجد من يقرأها، بل كم ستتضرر سمعة صحيفتهم عندما تفقد المشتركين الذين بدأوا يعبرون عن استيائهم.

رسالة رئاسة التحرير لم تنس بأن تنبه الصحفيين المتطوعين لأن يتسلحوا بمعدات الموزع وملابسه الملائمة للأنواء الجوية من دون أن ينسوا المصباح اليدوي!

فكأن مثل هذا المصباح الذي ينير العناوين والقطع المعلقة على أبواب المنازل، وليس القلم أداة جديدة لصحفيي بوسطن غلوب للحفاظ على سمعة جريدتهم. وبطبيعة الحال لم يستطع كل المتطوعين من الصحفيين والعاملين في الجريدة سد الفراغ الذي تركه إضراب عمال التوزيع ولم تصل الصحيفة إلا إلى ما يقارب 10 بالمئة من المشتركين وفق البيانات المعلنة.

نتحدث هنا عن صحيفة تأسست عام 1872، وتوزع في عددها الأسبوعي ما يصل إلى 400 ألف نسخة، وسبق أن عدتها مجلة تايم بأنها واحدة من أفضل عشر صحف يومية أميركية ما بين عامي 1974 و1984.

وفي حقيقة الأمر، فإن المشكلة بالنسبة إلى الصحفيين ليست إضراب عمال التوزيع، فهذا شأن بعيد عن هواجسهم، المشكلة تكمن بإحساسهم أنهم لم يعدوا يجدون المزيد من القراء لصحيفتهم المطبوعة.

صدور الصحيفة يعني بالنسبة إليهم أن مزاج القراء ما يزال معهم وإن تغيّر، كما يعني أن بوسعهم المراهنة على محتوى متميز تقدمه الصحيفة المطبوعة يشد القارئ إليها ولا يرميها من المطالعة الأولى عندما لا تعيد تكرار سلة الأخبار الإلكترونية والتلفزيونية.

تطوع صحفيو بوسطن غلوب لممارسة دور الموزعين وارتداء ملابس شتوية وحمل المصباح اليدوي للتأكد من عناوين المشتركين وأرقام المنازل، ليس مجرد موقف أخلاقي من أزمة صحيفتهم للوقوف معها، أو لإحساسهم أنهم بهذا المجهود الإضافي يحافظون على استمرار أعمالهم. بل الأمر أكبر بكثير من أزمة التوزيع التي تعيشها صحيفة عمرها 144 سنة، إنها أزمة الورقي والرقمي التي تهدد مستقبل الصحافة.

أو بتعبير كاثرين فاينر رئيسة تحرير صحيفة الغارديان البريطانية وهي تصف انتقال الصحافة الورقية إلى الرقمية، بأنه أشبه بالتحول من الحالة الصلبة التي تقدم الكتب والصحف المطبوعة إلى التدفق الحر في حالة سائلة، مع إمكانيات لا حدود لها وبسرعة هائلة تكاد لا تصدق.

لقد عاد صحفيو بوسطن غلوب بوصفهم موزعين لا محررين إلى القراء بوصفهم “الجمهور السابق” في عهد الصحيفة الورقية، من أجل أن تبقى هذه التسمية بالنسبة إليهم كمنتجين للصحف الورقية.

لقد كان هناك القليل من الكتاب والكثير من القراء، وأصبح اليوم من الصعوبة بمكان معرفة الفرق بين الاثنين، بعد أن غير ‘الجمهور السابق” مكانه من مجرد الجلوس وقراءة الصحيفة الورقية، إلى المشاركة في التحرير من أي مكان يكون فيه.

وها هو المحرر يعود إلى القارئ اليوم ليسلمه صحيفته الورقية باليد عله يرضى على المحتوى ولا يهجرها!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>