First Published: 2016-01-12

كيم جونغ أون حاكما للمنطقة الخضراء

 

الرغبة بمعاقبة الفاسدين نتاج واقع تغيب فيه العدالة وتعم الفوضى فلا يجد المرء غير خياله لمعاقبة من أذله، وهكذا يفعل العراقيون اليوم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الانهيار المريع الذي يعيشه العراق منذ أكثر من عقد كشف واقعية رثة ومن بين نتائجها المستمرة والمتصاعدة التفنن بالنحيب كنوع من الإنقاذ، بينما هو في حقيقة الأمر تدمير عميق للذات وسلب رباطة الجأش منها، وفي المقابل هناك من يجد نفسه شاهدا على الرثاثة ويخشى منها في آن، فيلجأ إلى التهكم كوسيلة دفاع يتفاعل معها المتريفون المسيطرون على الواقع العراقي السائد.

مثل هذه الأداة وظفها الكاتب العراقي جلال جرمكا بلهجة دارجة في ما يمكن أن نعطيه مواصفات المقال الصحفي، لأنه وفق التقويم المفرط في التفاؤل يمتلك الخيال والحس النقدي اللاذع والمعلومة والاستعارة والتوظيف الشعري، وإن جاء المقال برمته بلهجة محكية محلية وليس بعربية فصحى!

يفترض جلال جرمكا في المقال الذي تداولته المواقع الإلكترونية، وبلهجة ريفية عراقية مفعمة بالدلالات المحكية أن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون سيحكم العراق من موقع أدنى لثلاثة أشهر فقط. ويرى أن مثل هذا الخبر نزل كالصاعقة على لصوص المنطقة الخضراء فهرب الكبار منهم والصغار، فمثل هذا الرئيس الذي يصفه بالرفيق القائد الوسيم الكبير العظيم، لا يتعامل بغير لغة المسدس.

الحاكم الجديد المرحب به من قبل الكاتب بطريقة عراقية متداولة في المجالس والمضايف، حمل معه قائمة باللصوص المتسيدين على البلاد منذ عام 2003، من أجل أن يتفنن بعقابهم وبطريقة لا تقل بشاعة عما ارتكبوه من جرائم.

فيبدأ بالوزير الذي استورد شحنة زيت فاسد ليدفنه في حاوية زيت ساخن بعد أن يسحبه رجال الزعيم الكوري من صلاته، معبرين عن استغرابهم من صلاة اللصوص!

ويعود إلى صاحب دكان الخضروات الذي منحوه وزارة الداخلية واستورد أجهزة كشف متفجرات لا تعمل من أجل الحصول على عمولة مليون دولار، كي يتفنن بعقوبته.

ثم يستقدم وزيري النقل ويعاقبهما مربوطين بجناح طائرة… ووزير الكهرباء في عراق اللاكهرباء، حتى يصل إلى المدراء العامين ولا يجد مكانا لهم غير مجاري الصرف الصحي ورئيس الحكومة ونوابه ليقترح عليهم عقوبة تعيد لهم كرامتهم المهدورة بإرادتهم ويمنحهم سلاحا من أجل التحرك لتحرير الموصل من داعش.

ويستمر خيال الكاتب بقدر تعبيريه عن أصوات العراقيين الطامحين إلى معاقبة الفاسدين من نواب ورجال دين وقضاة ووزراء حتى يتوجه الرئيس الكوري- العراقي إلى ساحة التحرير وسط بغداد ويجد نفس أولئك الرجال الذين هتفوا للمفسدين يهتفون له ويضعون اسمه في هتافات سبق وأن وظفوها لمن ترأس البلاد قبله! حتى يتخيل الكاتب أن العراقيين سيهتفون للشيطان عندما يحكم البلاد بقوة ويقطع رؤوس اللصوص!

وفي حقيقة الأمر، إن مثل هذا الخيال نتاج واقع تغيب فيه العدالة وتعم الفوضى فلا يجد المرء غير خياله لمعاقبة من أذله، وهكذا يفعل العراقيون اليوم.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>