First Published: 2016-01-13

عقيدة الدولة.. بين اختلاف العقائد

 

هناك حاجة، وسط الثورات والحركات المضادة، لعقيدة تواجه بها الدولة خصومها مِن أهل العقائد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

اتخذت الدولة الإسلامية الإسلام (القرآن والسُّنَّة) نهجاً لها، أو ما يمكن التعبير عنه بعقيدة الدَّولة، هكذا كان في العهد النَّبوي والرَّاشدي. أما في العهد الأموي وبظهور المذاهب الفكرية (كعقيدتي الجبر والاختيار) فمال الأمويون إلى الجبر، وظهرت فكرة «خلافة الله في الأرض»، وإذا كان ما نُسب لأحد خلفائها في الرواية الآتية فميل الأمويين للجبر صار عقيدة لدولتهم، قال: «يا أهل العراق أتروني قاتلتكم على الصيام والصلاة والزكاة، وأنا أعلم أنكم تقومون بذلك، وإنما قاتلتكم على أن أتأمر عليكم، وقد أمرني الله عليكم (...) إنما أنا خازن من خُزّان الله، أعطي منْ أعطاه الله، أمنع منْ منعه الله» (الأسد آبادي، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة).

كذلك نُسب مثل هذا القول لأحد أبرز خلفاء الدولة العباسية، غير أن أبا جعفر المنصور (ت 158هـ)، بعد ظهور الثورات وكل ثورة لها عقيدتها، بدأ يميل إلى اتخاذ الاعتزال عقيدة لدولته، وجعل رؤساء المعتزلة من كبار موظفي الدولة، وذلك عندما طلب مِن رئيس المعتزلة في زمانه عمرو بن عُبيد (ت 144هـ)، وكان صديقاً له قبل الخلافة: «اعنَ بأصحابك، فإنهم أهل العدل، وأصحاب الصدق والمؤثرون له». إلا أن ابن عبيد وقع في الكتاب الذي بعثه إليه المنصور: «ارفع علم الحق يتبعك أهله» (ابن قتيبة، عيون الأخبار)، بل أكثر من هذا قيل: «فنزع المنصور خاتمه وقال لعمرو بن عبيد: وَلِّ من شئت، واعزل مَن شئت، وائت بأصحابك أولهم» (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة). ومِن المعلوم أنه لو حصل هذا لكانت عقيدة الخلافة العباسية العقيدة المعتزلية المعروفة.

بمعنى أن هناك حاجة، وسط الثورات والحركات المضادة، لعقيدة تواجه بها الدولة خصومها مِن أهل العقائد، مع أن الكل قد رفع الإسلام رايةً، مع اختلاف الرؤى، وهذا ما فعله الخليفة العباسي السَّادس عبد الله المأمون (ت 218هـ)، بعد أن عاد مِن خراسان إلى بغداد، ووجد فيها كثرة الرايات المرفوعة، وسط الشغب واضمحلال سلطان الدَّولة، وكاد بعض المشايخ الذين خرجوا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يخطفون السلطة، بعد تجمع النَّاس حولهم، ووجود عمه خليفة مكانه إثر الانقلاب عليه، بسبب تولية الإمام علي الرِّضا (ت 203هـ) ولاية العهد مِن بعده.

جعل المأمون عقيدة الاعتزال عقيدة لدولته، كي يواجه بها الحركات المضادة لخلافته، وكان قد صحبه بعض شيوخ المعتزلة وقت وجوده بخراسان، وبهذا يمكن القول إن «مسألة خلق القرآن»، التي امتحن بها المأمون رجال الحديث كانت سياسية المقصد، وأراد لها السيادة مقابل الجماعات التي تعمل ضده. ولإنهاء القول بالجبر، شجع المناظرات بين القدرية ونُفاة القدر، بل أفشى المناظرات في علم الكلام، أي النقاش في العقائد، وهيأ لها مجالس خاصة.

ويغلب على الظن أن الأمرَ لم يكن شأناً ثقافياً أو معرفياً فحسب، وإنما كانت السياسة وراءه، وذلك بغية إخضاع الجميع تحت راية عقيدة واحدة، فبظهور حركات واتجاهات فكرية وسياسية لم يعد الدين الإسلامي، مثلما كان الحال في صدر الإسلام، فقد صار إسلاماً واحداً بمذاهب وعقائد شتى. مع العلم أن مسألة خلق القرآن في جوهرها ليست سياسية، بقدر ما كانت مسألة كلامية، لكنها أصبحت سياسية بتوظيفها وتعميمها على آفاق الدولة الإسلامية، وإلا إذا أخذناها منفصلة عن هذا الحدث نجدها فكرة مضادة للقول بقِدم القرآن، وبالفعل صار الاعتزال مهيمناً في أصوله الخمسة على الدولة مِنذ خلافة المأمون وحتى نهاية خلافة ابن أخيه الواثق (ت 232هـ).

على أية حال، كان الجميع تحت لواء الإسلام، لكن بمفاهيم مختلفة، وأي جهة، مهما كانت منفتحة أو مغلقة آنذاك، تهيمن على السلطة، تجعل من نفسها «ظل الله على الأرض». ومِن المعروف أن بعض الخلفاء حاولوا العودة إلى الإسلام قبل التفرق إلى شيعٍ وجماعات وعقائد، غير أن هذا الادعاء لا يصدق في السياسة، فما زالت الدولة تجمع بين الدين والسياسة لا يستقيم نهجها إلا على عقيدة مِن العقائد.

ما المغزى مما تقدم: أولاً، إن الاختلاف العقائدي والمذهبي حقيقة لا يمكن تجاوزها، وليس غير التعايش سبيلاً. ثانياً، إن الدولة، وسط تعدد المذاهب والعقائد، لا يمكن أن تحوي الجميع إذا ما نهجت منهج مذهب دون آخر في السلطة، فتطبيق الشريعة في السياسة لابد أن يكون على عقيدة مِن عدة عقائد داخل الإسلام نفسه، ويمكن أن يُحتمل ذلك في العصور الخوالي لمواجهة الثورات، أما في العصر الحديث فالمواجهة تكون بحيادية الدولة واحتضان الجميع.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
الحسين.. عامل وحدةٍ لا فُرقة
2016-11-23
معرض الشارقة.. مواجهة الفكر الهدام
2016-11-16
أمّ الربيعين.. «يا مَن فقتِ حسنهما»
2016-11-09
المزيد

 
>>