First Published: 2016-01-14

متى يعتزل العراقيون الحياة؟

 

كان العراقي أيام النظام السابق مشروع شهادة دائم. صار اليوم مشروع موت مجاني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

تبقى الحياة في أشد لحظاتها هشاشة أقوى من أن تمحى أو تسحق.

"الحياة حلوة" جملة يسمعها المرء فيظن أحيانا أنها تقال في المكان الخطأ. فكيف يمكن أن تكون الحياة جميلة في ظل الفقر مثلا؟ الاغنياء لا يملكون جوابا على ذلك السؤال. المحتضرون يمكنهم أن يرووا لو سمح لهم الموت القريب منهم حكايتهم التي تأرجحت بين المر والحلو.

ولكن الموت هو غير كابوسه.

عزرائيل وهو ملك الموت حسب الرؤية الدينية هو كائن واحد، اما اشباحه فحين تكثر فإن ذلك يعني أن الموت قد خرج عن نطاق اختصاصه، وهو ما يناقض الارادة الالهية وقد يُعتبر كفرا.

حياة العراقيين ومنذ أن وقعت كارثة الاحتلال صارت ملعبا لتلك الأشباح التي لا يُحصى عددها. فالموت يكمن لهم في كل منعطف. لقد صار تقليدا أن يكتب المرء هناك وصيته. لا شيء يمكن أن يضمن عودة العراقي إلى بيته سالما.

لقد ابتكرت فرق الموت التي لا تزال تعمل في العراق طرقا لطي صفحة الحياة، لم تكن الطبيعة بكل جبروت ذكائها قد اهتدت إليها.

القتل عن طريق التقنيات الحديثة أفرغ مفهوم القتل التقليدي من معناه. لم تعد هناك حاجة إلى بنادق ومدفعية ومسدسات وسكاكين. هناك اليوم الاحزمة الناسفة والقنابل الموقوتة والعبوات اللاصقة يمكنها أن تؤدي الغرض، بما يزيد من حجم الضرر وبما يزيد من ضراوة الالم، ذلك لأن القاتل يظل مجهولا.

كان العراقي أيام النظام السابق مشروع شهادة دائم. صار اليوم مشروع موت مجاني. هناك فرق معنوي، غير أن الفعل يظل واحدا والنتيجة تبقى واحدة. هناك قوة تضع العراقيين في خدمة الموت لتنجز أجندتها الغامضة.

ولكن لمَ لا يفكر العراقيون في عصيان حياة، لا تملك شيئا من مقومات الحياة الحقة؟

لست في صدد الدعوة إلى الانتحار الجماعي، بل أفكر في ما يمكن أن يهب العراقيين قدرا من الكرامة وهم يواجهون الموت المجاني.

لن يكون العراقيون على خطأ لو أعترفوا أن حياتهم صارت قبيحة. ألم يكن الاحتلال قبيحا؟ أما كان حريا بهم أن ينتبهوا إلى أن كل ما ينتج عن الاحتلال لابد أن يكون قبيحا.

أن يتمرد المرء على القبح لا يستدعي بالضرورة تجميل ذلك القبح عنوة من أجل نسيانه، بل يستدعي فضح ذلك القبح والكشف عنه في المقام الاول. وهو ما عجز العراقيون عن القيام به، خشية أن يشمت الآخرون بهم. وهم في ذلك انما يخفون رؤوسهم في الرمل فيما تظل مؤخراتهم عارية.

"ولكن لا حياة لمن تنادي" لا يزال العراقيون يتمتعون بحياتهم المشفوعة بالموت المجاني في الاسواق وفي المتنزهات وفي الشوارع. مثقفوهم يفخرون بطريقة ماجنة بأنهم تحدوا الموت بالذهاب إليه. ما معنى ذلك؟

العراقيون يمارسون حياتهم بطريقة مجازية وهم يعرفون أن الحياة الحقة غائبة. هناك كذب علني هو محصلة سنوات من الترويض والتدجين. أكان تكيفهم مع القبح هو أكثر أعدائهم دهاء ومكرا؟

لقد ابهجتهم ذات يوم الوفرة النقدية فحرموا أنفسهم من رؤية حقيقة ما انتهت إليه حياتهم من خراب، لم يسلم منه شيء. كان أولى بهم أن يعيدوا تأهيل البنية التحتية المدمرة بدلا من أن يستغرقوا في تداول البضائع الصينية الكمالية.

كان حريا بهم أن لا يسمحوالجرذان الفساد من التسلل إلى بيوتهم قبل أن تتحول إلى وحوش كاسرة لن ترضى إلا بهدم تلك البيوت على ساكنيها.

كان الاجدر بهم أن ينظفوا رؤوسهم من كوابيس الماضي بدلا من يصنعوا من حاضرهم مقبرة، يحنون فيها إلى تلك الكوابيس.

غير أنهم اصروا على التماهي مع غفلتهم حتى جاء اليوم الذي صار عليهم مجبرين أن يروا حجم الكارثة التي أصابتهم وأصابت بلادهم.

فما ظنوها حياة لم تكن في حقيقتها إلا سرابا. فلا شيء مما يحيط بهم يجعلهم على ثقة من أنهم يعيشون كما يعيش البشر الاسوياء من حولهم. لا يزال الموت المجاني يطاردهم ومعه تتقافز أشباح الفقر والمرض والجهل والكراهية في محيط حياتهم القبيح.

أما آن للعراقيين أن يعتزلوا حياة، ليس فيها ما يذكر بالحياة؟

عصيان حياة من ذلك النوع هو الطريقة الامثل لإكتشاف معنى الحياة.

 

فاروق يوسف

الاسم متسائل
الدولة بلاد العرب

وماذا تقول عن الموت المجاني للسوريين واليمنيين ؟ اليسوا من سوية البشر ؟ ومن الذي يقتلهم غير اميركا وحلفاء اميركا ؟ ومن الذي اشعل الحرب الاهلية في سوريا غيرهم ؟ هل سمعت عن المليارات الثلاثة التي دفعتها دول عربية لاشعال الحرب الاهلية في سوريا ؟

2016-01-14

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>