First Published: 2016-01-17

هل تراجعت صناعة الأخبار

 

المستهلك صار صانعا للخبر وشريكا فيه، لذلك تغير دور المحرر كمنتج وحيد وشارح للأخبار، لكن صناعته للخبر لم تعد تلبي دائما طموح الجمهور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

بعد انتهاء الخبر الأول في نشرة العاشرة بهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، الذي استغرق ربع وقت النشرة تقريبا، وكان تقريرا عن رحيل مغني الروك البريطاني ديفيد بوي، كان عليّ أن أعيد ترتيب فكرة الصناعة الإخبارية، وفقا لما يليه من أخبار بعد أن اقتربت النشرة، وهي الأهم في ساعات البث من قضاء نصف الوقت المقرر لها، أولا لأن خبر رحيل المغني- على أهميته- كان فنيا وليست له تداعيات سياسية، وثانيا لأن النشرة استهلت أخبارها بخبر من هذا النوع.

في طريقة الاختبار التي تضعها هيئة الإذاعة البريطانية للمتقدمين الجدد للعمل كمحررين في منظومتها، تقترح حزمة من الأخبار المتفرقة من بلدان مختلفة، وتطلب من المتقدم أن يعيد ترتيبها وفق درجة الأهمية، وهو نوع من الاختبار لمعرفة الحس التحريري في تحديد أهمية الخبر وأولويته في نشرة أخبار.

وفق ذلك الاختبار دعونا نضع نشرة الساعة العاشرة باللغة الإنكليزية لمساء يوم الإثنين الماضي، في نفس امتحان الهيئة الذي يقبل المتقدمين للعمل كمحررين بعد النجاح في اجتيازه.

بعد تقرير رحيل ديفيد بوي الذي كان آنيا واستعاديا، تناولت النشرة مجموعة أخبار محلية لم يظهر فيها أي من السياسيين البريطانيين ولم تتناول قضية تشغل الرأي العام، وتضمنت أيضا خبرا علميا، وكان الخبر العالمي الوحيد تغطية إيصال المساعدات إلى المحاصرين في مدينة مضايا السورية ولم يستغرق من وقت النشرة أكثر من دقائق محدودة.

معد النشرة، وهو بدرجة رئيس تحرير، يدرك بلا شك الحساسية العالية لبي بي سي، مثلما يعرف أن الأخبار صناعة تتطلب التطوير والابتكار وليس دق المسمار الأخير في نعشها، ومنحه مثل هذا الوقت لرحيل فنان محبوب في الأوساط العالمية وليست البريطانية وحدها، ناتج عن أهميته، فقد رثاه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وأحاط المئات من المعجبين بمنزله وأوقدت الشموع على روحه في مختلف بقع العالم، وهكذا كان خبره.

لم يفت على معد النشرة طبيعة الجدل الذي رافق تخصيص ساعات إخبارية وبرامجية في بي بي سي عن رحيل الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا قبل سنوات، عندما عبّر المشاهدون حينها عن استيائهم من تخصيص كل ذلك الوقت لرجل طاعن في السن ومتوقع وفاته، بينما لم تحظ أحداث الفيضانات في مدن الشمال البريطاني بأهمية تذكر.

مشاهدو بي بي سي أصحاب القرار في التلفزيون الوحيد في العالم لسبب بسيط لأن الهيئة ممولة من لدنهم بأموال الضرائب، ووظيفتها تقديم الخدمة لمشاهديها.

أرى أن الجدل سيثار هذه المرة، ليس على الوقت الطويل نسبيا المخصص لخبر رحيل مغني الروك البريطاني ديفيد بوي، وإنما على سؤال هل تراجعت صناعة الأخبار إلى الحد الذي جعل محررها يشعر بنوع من السعادة بعدما حظي بخبر وفاة ديفيد بوي لينقذه من مأزق نشرة مسائية باردة “الأخبار الساخنة أخبار جيدة” لأن طبيعة الأخبار الأخرى في مساء ذلك اليوم كانت باردة للغاية وهي أشبه بملء سلة النشرة كي لا تبدو فارغة إلا من رحيل ديفيد بوي.

يمكن أن نطلق السؤال بطريقة أخرى هل المحرر ينتظر الأخبار أم يصنعها؟

أرى أن صناعة الأخبار بمحتوى مختلف باتت حاجة المستهلك وهذا ما صرح به جيمس هاردينغ مدير بي بي سي بالأمس القريب بقوله “هناك أربعة مجالات رئيسية يجب فحصها لجعل بي.بي.سي نيوز تتلاءم مع المستهلكين في المستقبل: المنصات التي سوف يستخدمها الناس لاستهلاك الأخبار والشؤون الجارية، نوع المحتوى الذي ينبغي أن تسوقه القناة، طرق خدمة جميع الجماهير، وتطبيقات العمل”.

لم يعد التاريخ وصناعة المحتوى الإعلامي يستوعبان فكرة “لا أخبار هذه الليلة” فقد حدث مثل ذلك مساء الثامن عشر من أبريل من عام 1930، عندما أعلن مذيع نشرة الأخبار في راديو بي بي سي “لا أخبار هذه الليلة، ليلة سعيدة!”. وانتهت نشرة المساء الإذاعية بمعزوفة على البيانو.

المستهلك صار صانعا للخبر وشريكا فيه، لذلك تغير دور المحرر كمنتج وحيد وشارح للأخبار، لكن صناعته للخبر لم تعد تلبي دائما طموح الجمهور، سلة الأخبار ليست مغرية دائما حتى وإن امتلأت، المحتوى صار وحده من يحدد أهمية الأخبار، لكن عن أي محتوى يدور الكلام اليوم؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع الى ط. ع المتخفي
الدولة لندن

2016-01-19

الاسم ط .ع
الدولة الى متابع

مقال رائع ، هذا مؤكد ، تقييمك غير ملزم لنا بالضرورة ، يمكنك الاحتفاظ به فلكل وجهة نظره ، هو صحفي مثابر وله تاريخ وميدل ايست تبقى منارا ونقطة اشراق .

2016-01-17

الاسم متابع
الدولة لندن

لا مقال رائع ولاهم يحزنون هي نفس القوانة يعيد فيها كرم نعمة منذ ان عرفناه وعرفنا ميدل ايست

2016-01-17

الاسم ط .ع
الدولة العراق

مقال رائع ، احسنت .

2016-01-17

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>