First Published: 2016-01-19

كيف أكون عربيا إسلاميا مستقبلا؟

 

أول الخطوات لاستشعار الهوية هو الإيمان بأن الهوية في وضع متحرك على الدوام والا فهي ليست هوية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمّار

كفانا جريا وراء الهوية. لقد تعبت مجتمعاتنا من هذا الجري غير الناجع. بل لقد استغل الأقوياء في العالم هذا الانحراف فينا بخصوص الهوية. أتحدث هنا عن أخطر أشكال الهوية: الهوية الثقافية. ومنه أقول إن هنالك فرق بين البكاء من أجل الهوية وبين الاضطلاع بها. إن الموقف الباكي موقف منحرف لأنه يعني أن الفرد والمجتمع ليسا مسيطرين على هويتهما. حيث إن الهوية موجودة فعلا لكن الفرد والمجتمع لا يباليان بهذا الوجود. بينما الاضطلاع بالهوية يستوجب إدراك وجودها والالتزام بالبناء عليها وانطلاقا منها.

لكن هنالك مشكلة. كيف يمكنك ان تحس ان هويتك الثقافية موجودة؟ هذه مسألة أساسية. وهي أساسية لان مجرد عدم شعورك بثبوت وجود الهوية ينجم عنه تنكر لوجود هذه الأخيرة وبالتالي البحث عن هوية لن تأتي أبدا او الوقوع في اللبس واعتناق ملاذ على انه هوية (التحزب الديني ملاذ؛ داعش ملاذ). كما أن الإحساس بثبوت الهوية سيضع حدا للصراعات الإيديولوجية والانقسامات داخل الأحزاب السياسية (على غرار التفكك الذي يشهده حزب نداء تونس، بينما هو الحزب الحاكم - في إطار التحولات السياسية ذات المنحى التعددي التي تعرفها البلاد التونسية).

إن أول الخطوات لاستشعار الهوية، من اجل الاضطلاع بها في الإبان، هو الإيمان بأن الهوية في وضع متحرك على الدوام والا فهي ليست هوية. وبالتالي لا ينفع أن تقول لنفسك وللآخر إنك تحمل الهوية العربية الإسلامية. فالهوية لا تقال. الهوية تتحرك وتنجز وتحيا. والهوية تحركها رموز أساسية مثل العرق واللغة والدين والبيئة. لذا ان تكون اليوم عربيا إسلاميا لا يعني أنك لا تعرف إلا العربية لسانا. بل أنت مجبر على معرفة لغة أو لغات حية أخرى. وإن أنت عرفتها فلا بد أن تحرك هويتك بواسطتها فضلا عن تحريكها بواسطة العربية. وأن تكون عربيا إسلاميا لا يعني أن تعرف فقط الديانة الإسلامية التي تعتنقها مثل غالبية المنتسبين إلى هذه الهوية. بل أنت مطالب بمعرفة ماذا تقول الديانات الأخرى ولم ترمز وماهو دورها في المسار التاريخي وفي المسار الحضاري.

بالمحصلة، هويتك مطالبة بأن تتحرك بواسطة الفرنسية أو الانكليزية أو الإسبانية أو غيرها، أو بعضها أو كلها، الى جانب العربية. وهويتك مطالبة بأن تتحرك بواسطة المعرفة المسيحية واليهودية والبوذية وغيرها. إن هويتك مطالبة بالتحرك هكذا لكنك لست بصدد تحريكها هكذا. ذلك لأنك عاجز عن تحريكها بالشكل المطلوب. وأنت عاجز عن ذلك لأنك لا تملك المنهج المناسب. لأنك لا تملك الأدوات المعرفية السانحة للتحريك الهوياتي. ولا لوم عليك بهذا الخصوص. لم تعلمك المدرسة معرفة كهذه. لا يمدك الأعلام بمعرفة كهذه. لا تنتج الجامعات العربية ولا الإسلامية معرفة كهذه.

إن اكتساب معرفة كهذه لكي تنتهج بواسطتها سبيل تحريك هويتك يتطلب منك تقويما جذريا للفكر بل لكيفية التفكير، تقويما يتوخى منحى التحريك. فعوضا عن التمادي في التفكير إما وكأنك بلا هوية وكأنك تبحث عنها وإما وكأنك تملكها وتملك كل الحقيقة عنها (الإسلام السياسي وكل أشكال الوثوقية، دينية كانت أم لا دينية)، ستكون قادرا على أساس أنك قائد ناشط لفكرك، ومشارك فعال في الفكر المجتمعي.

ولبلوغ مرتبة القيادة الفكرية، لا مفر من أن تكون مستطيعا لمهارات معينة من أهمها أذكر ما يلي:

أ. إن اكتسابك للغة أجنبية حية على الأقل ومن ثم دفعها إلى التفاعل الواعي مع لغتك العربية ومع لهجتك الإقليمية أو المحلية سيسهم في رفع سقف الهوية الحاصلة لديك وبالاتساق مع مجتمعك، وبالتالي سيكون بإمكانك أن تكون نفسك في بعدين اثنين: أنت والآخر. أنت بحاجة لأن تتمثل الآخر (صاحب الجاه المعرفي والعلمي والحضاري) لا فقط انطلاقا من ذاتك مثلما يفعله ولا يزال يفعله الإسلاميون عموما، ما أدى بهم إلى الانطواء على الذات، ولا فقط من خارجها مثلما فعله ولا يزال يفعله الحداثيون بمختلف أصنافهم، ما انجر عنه اغترابهم. فالمطلوب أن تتمثل الآخر مع البقاء أنت بنفسك.

ب. إن مقارنة الواقع العالمي المهيمن الذي تسيره قوى دينية غير مسلمة، مقارنته بصورة الواقع كما تبرز من خلال البنية التأويلية للإنسان المسلم (الذي يتمثل الآخر مع الإبقاء على كيانه الذاتي) تؤدي هذه المقارنة الى إفراز واقع جديد متناسب مع متطلبات السقف الموالي، الأرقى للهوية.

 

محمد الحمّار

كاتب تونسي

 
محمد الحمّار
 
أرشيف الكاتب
كيف وصلت تونس إلى هذا وهل من مخرج؟
2018-01-12
متى تكون القدس لنا؟
2017-12-13
هل يفهمُ المتخصصون الإسلامَ أفضلَ من العوام؟
2017-10-14
في رمي الجسور بين الديني والدنيوي
2017-10-03
ما وراء حديث الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم
2017-09-22
الليبرالية بين حُروبهم الناعمة وعقولنا النائمة
2017-08-06
إذا كانت الانكليزية عشيقتنا فالعربية أُمُّنا
2017-06-13
فسادٌ من المُنتج إلى المُستهلك
2017-06-07
ماذا بعد عسكرة منشآت إنتاج الطاقة في تونس؟
2017-05-12
تونس: سُخطٌ إعلامي غير مبرَّر بسبب إقالة جلول
2017-05-09
المزيد

 
>>