First Published: 2016-01-19

في زمن الجوع

 

هل هناك مدن تتمتع برخاء غذائي في سوريا؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

سيكون علينا أن نقر أن هناك جوعا أخلاقيا يقابله جوع لا أخلاقي.

الاسباب ليست واحدة ولن تكون النتيجة واحدة.

ما يجب أن تتعلمه البشرية من دروس لن يكون واحدا في الحالين.

هناك أمم تعودت أن تجوع بسبب مزاج الطبيعة غير أن هناك أمما يفرض عليها الجوع بإعتباره نوعا من الحل لأزمة عصيانها. يتم اختطافها ومصادرة حريتها عن طريق تجويعها.

سيكون من اليسير أن يتلقى الجائعون من الطراز الاول المساعدات الغذائية الدولية ولكن فكرة انقاذ الجائعين من الطراز الثاني تظل عصية على الفهم.

هناك فرق كبير بين الجوع والتجويع.

تجويع الناس من خلال حصار مدنهم هو سلاح ذو حدين. فهو من جهة يكشف عن فشل الاطراف المتحاربة في اختراق بعضها البعض الآخر ويأسها من تحقيق ذلك وهو من جهة آخرى يسعى إلى أن يبطش بطرف ثالث، ليس له ذنب سوى أنه كان موجودا بالصدفة حين وقع النزاع المسلح.

لا يشن الناس الحرب رغبة منهم في أن يجوعوا.

أعتقد أن زمننا ماهر في خلط الأوراق. لقد أنتبه العالم فجأة إلى أن بلدة مضايا السورية جائعة. البلدة جائعة لأن قوات النظام وميليشيا حزب الله يفرضان عليها حصارا يمنع دخول الأغذية إليها. وهو أمر لم ينكره النظام ولا ميليشيا حزب الله.

ولكن سوريا كلها جائعة.

هل هناك مدن تتمتع برخاء غذائي في سوريا؟

يقال أن المساعادات الغذائية التي وصلت إلى اهالي مضايا تسد حاجتهم لشهر أو شهرين. ماذا عن بقية أشهر السنة؟ هل صرنا نحصي الاعمار بالأشهر مثلما يرغب المتحاربون؟

هناك توقيت خاطئ صارت البشرية تمشي برضا على جمره.

فحين يحل الجوع بإعتباره مشكلة تسعى المنظمات الدولية إلى حلها مؤقتا محل الحرب التي هي سبب كل الكوارث التي حلت بسوريا فإن ذلك يعد بمثابة صك براءة للمجرمين الذين ملأوا أفواه الأبرياء صرخات زائفة بعد أن جوعوهم.

كان على المجتمع الدولي أن يكون حذرا منذ البدء وهو يتعامل مع مسألة الحروب الاهلية. فإن كان عاجزا عن منع نشوبها فإن عليه أن يحول دون وقوع تداعياتها والتجويع من خلال فرض الحصار على الاهالي هو واحد من أكثر تلك التداعيات خطرا واستهانة بالقيم والاخلاق والتعاليم السماوية والاعراف الارضية.

ليست مضايا وحدها محاصرة في سوريا.

كل المدن والبلدات والقرى السورية محاصرة. بل أن سوريا نفسها تحولت إلى قفص من نار. فهل سيترك العالم الجناة يعيثون بالارض فسادا ويعبثون بمصائر الناس المحاصرين ليكتفي بتهيئة قوافل الاغاثة من أجل الحفاظ على الرمق الأخير من حياة لم تعد تستحق أن تُعاش؟

أعتقد أن زمن الجوع الذي تعيشه سوريا وهو البلد الذي لا يمكن أن يجوع أهله هو تمهيد لابدية الهلاك السوري. وما قوافل الاغاثة إلا واحدة من علامات الزوال. ذلك لأن الانحطاط الاخلاقي وقد وصل إلى الدرجة التي تسمح بتجويع الابرياء واعتبارهم جزءا من عدة الحرب لابد أن يوسع نشاطه الاجرامي لينتقل بالمشهد إلى مرحلة الابادات الجماعية.

كان على المجتمع الدولي أن ينتبه إلى أن الصراع في سوريا لم يعد سياسيا ولم يعد سؤاله "مَن يحكم سوريا وكيف تُحكم؟"

السؤال الذي يلح على المتحاربين اليوم "من يبقى في سوريا ليحق له أن يحكم؟" وهو سؤال مصيري يهدد بالفناء ملايين البشر.

لقد فقد السوريون بيوتهم وسبل رزقهم ومدارس أولادهم ومستشفياتهم وآثارهم ومصانعهم ومزارعهم وأماكن عبادتهم وتسليتهم وأسواقهم وها هم اليوم يواجهون سؤال الجوع بإعتباره تمهيدا لنهاية، حاول العالم أن يؤجل قدومها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>