First Published: 2016-01-19

أنا أتكلم إذن أنا موجود

 

الصمت فن مهذب ومريح يمتلك مواصفات الحكمة، ليس بمقدور البشر إدراكها لذلك يتكلمون ويخطئون بحق أنفسهم، يجرحون غيرهم بالكلام ومع ذلك يصرون على الكلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أتساءل أحيانا لماذا أعتبر الكلام علما يُدرس ولا يوجد من هذا التصنيف للصمت بوصفه علما، لا أحد يعلمنا الصمت مع أن البشر كل البشر قادرون على الكلام وليسوا كلهم قادرين على الصمت أو تعلمه.

الصمت فن مهذب ومريح يمتلك مواصفات الحكمة، ليس بمقدور البشر إدراكها لذلك يتكلمون ويخطئون بحق أنفسهم، يجرحون غيرهم بالكلام ومع ذلك يصرون على الكلام.

يؤاخذ على الأمير فيليب زوج ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، أنه دائم الكلام في غير موضعه ومع أنه في منتصف عقده التاسع لا يتردد عند الكلام بإطلاق تعليقات فظة.

مثل هذا الرجل الأمير ومن أسرة ملكية متصاهرة مع ملوك أوروبا اعترف في حوار معه في بداية عقده التاسع بأنه بحاجة إلى العودة إلى نفسه قليلا والاستراحة من النشاطات على الأقل كي يتحسب للكلام قبل إطلاقه.

ففكرة أن يتصرف المرء بطريقة “أنا أتكلم إذن أنا موجود” تجعله ماكينة تريد أن تصنع كل شيء، تبقى تدور من دون توقف وفي النهاية لا تقدم أي شيء.

دعونا نتخيل ماذا يحدث في مجلس عربي بين عشرات الحاضرين، عندما يستحوذ أحدهم على مايكروفون الكلام من دون توقف، يتكلم ويقاطع الآخرين ولديه على كل حديث تعليق وكأنه يعرف عن كل حادث حديثا! ليس المهم قيمة ما يتحدث به وإن كان على درجة من الأهمية والإغراء، لكن أي دلالة سيتركها في نفوس الحاضرين عندما يستمر في الكلام، أي قيمة ثمينة تصبح حينها للصمت.

مثل هذا ينطبق على آخرين يثرثرون في الحافلة أو القطار أو الطائرة بين آخرين لا يعرفونهم، لا يوجد تفسير غير افتقادهم إلى الكياسة وجهلهم قيمة الصمت كدرس تعبيري مذهل لترويض الذات والنأي بها عن أمزجة الآخرين.

ينظر البريطانيون إلى الأسبان على أنهم مجرد ثرثارين، يتكلمون في المواضع التي تتطلب السكوت، هكذا اختصر لي صديقي الإنكليزي رأيه واقترح علي أن أركب القطار من مطار هيثرو إلى وسط لندن مع مجموعة القادمين الأسبان كي أتأكد من فكرته، قال إنهم يجلسون في أماكن متباعدة نسبيا داخل عربة القطار ويطلقون الأصوات بين وفوق وجوه الراكبين، مع أن بإمكانهم الجلوس متجاورين والتحدث بصوت هادئ.

وفي كل الأحوال لا يمكن أن ترتبط الثرثرة بشعب ما، إنها طبيعة في بعض النفوس، لذلك وجد علم الكلام وتصنيفاته من أجل ابتداع المفيد والمعبر فيه، لكن الصمت يبقى أيضا علما لا شروح له.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>