First Published: 2016-01-24

... ومتى ترفع ايران عقوباتها على لبنان؟

 

بدأ الكلام الصريح الذي ترافقه خطوات اجرائية عن ان لبنان صار محكوما من طهران.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

رفع المجتمع الدولي العقوبات المفروضة على ايران بعدما تأكّدت الوكالة الدولية للطاقة النووية من التزامها بنود الاتفاق في شأن ملفّها النووي وانّها تنفّذ المطلوب منها بدقّة.

تحرّكت الإدارة الأميركية على وجه السرعة واتخذت كلّ الإجراءات المطلوبة من اجل مباشرة التطبيع مع طهران. عزلت واشنطن بين الملفّ النووي الإيراني وكلّ السياسات الأخرى للبلد في وقت لم تمض سوى بضعة ايام على احراق متظاهرين ايرانيين، كانوا يتحرّكون باشراف من السلطات الرسمية، السفارة السعودية في طهران وقنصلية المملكة في مشهد.

مبروك لايران التي التزمت ما تعهدته بموجب الاتفاق الذي امكن التوصل اليه في تمّوز ـ يوليو الماضي بينها وبين مجموعة الخمسة زائدا واحدا. لكنّ هذا الإنفراج الواسع في العلاقة بين طهران و"الشيطان الأكبر" لا يمنع من التساؤل متى ترفع ايران عقوباتها المفروضة على لبنان؟

ليس لبنان سوى واحد من الأمكنة التي تمارس فيها ايران سياسة تقوم على الهدم والعرقلة ليس الّا وذلك عن طريق الإستثمار في الغرائز المذهبية. الأمل كلّ الأمل ان ينعكس رفع العقوبات الدولية عن ايران الى بدء سياسة جديدة تظهر ان هناك سياسة ايرانية مختلفة تشير اوّل ما تشير الى ان ايران دولة طبيعية وليست ضحيّة اوهام من نوع القدرة على لعب دور اقليمي والهيمنة على دول اخرى في المنطقة.

لا حاجة الى تعداد ما تقوم به ايران، بدءا بالعراق وصولا الى لبنان، مرورا بسوريا طبعا. لا داعي ايضا الى التذكير باضطرار المملكة العربية السعودية الى قطع العلاقات الديبلوماسية مع طهران في اعقاب اعتبار ايران نفسها مرجعية كلّ شيعي في العالم، بما في ذلك المتشيعون الجدد في نيجيريا.

لا حاجة ايضا الى التذكير بأنّ ايران تحتل الجزر الإماراتية الثلاث الطنب الصغرى والطنب الكبرى وابو موسى منذ العام 1971، اي منذ ايام الشاه، بما يؤكد ان شيئا لم يتغيّر في البلد، بعد ثورة 1979 وقبلها، اقلّه في ما يتعلّق بالسياسة الخارجية والرغبة في لعب دور شرطي الخليج وفرض امر واقع على دول المنطقة، تماما كما تسعى اسرائيل الى عمله.

لا حاجة بالطبع الى استعادة التهديد الإيراني للبحرين وتدخلها في شؤون هذه المملكة الصغيرة من منطلق مذهبي، ولا حاجة بالتأكيد الى التذكير بافضال ايران على الكويت والى مخازن الأسلحة والمتفجرات التي اكتشفت في هذه الدولة اخيرا. ولا حاجة اخيرا الى الإشارة الى الدور الإيراني في اليمن والى دعمها للحوثيين الذين باتوا يحملون تسمية "انصار الله" بعدما صار طموحهم محصورا في ان يكونوا ميليشيا مذهبية، على غرار "حزب الله" في لبنان.

لم يعد سرّا ان ادارة باراك اوباما اختزلت كلّ ازمات الشرق الأوسط بالملفّ النووي الإيراني. قرّرت بكل بساطة انه يكفي التوصّل الى تسوية في شأن هذا الملفّ من اجل ان يدخل اسم باراك اوباما في كتب التاريخ. ما الذي كان يمكن لإيران ان تفعله في حال حصولها على قنبلة نووية؟ لدى باكستان قنبلة نووية. هل وضع باكستان صار افضل بعد امتلاكها القنبلة بفضل المساعدات التي حصلت عليها في مرحلة معيّنة من الصين لاسباب مرتبطة بالمنافسة واعداء بين بيجينغ ونيودلهي؟

مشكلة ايران مع جوارها، وما يتجاوز جوارها، تبرز من خلال ما يتعرّض له لبنان منذ العام 1982، تاريخ قيام "حزب الله". تعتقد ايران انّ التدخل في شؤون الدول الأخرى وتعطيل الحياة فيها وانشاء ميليشيات مذهبية كفيل بضمان دور لها على الصعيد الإقليمي واعتراف اميركي بهذا الدور. هذا ما تؤكّده الاحداث.

سارت الولايات المتحدة في اللعبة الإيرانية الى النهاية. صحيح ان ليس من حقّ احد الإعتراض على التسوية في الشأن الملف النووي الإيراني، نظرا الى ان لكلّ دولة مصالحها، لكنّ الصحيح ايضا ان من حقّ اي لبناني التساؤل لماذا زادت عدوانية ايران تجاه البلد في الأسابيع التي سبقت الإعلان رسميا رفع العقوبات عنها؟

لماذا استمرار الإعتراض على انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية؟ لماذا ذلك الكلام الذي لا سابق له في التعاطي مع السياسيين اللبنانين، اي الكلام الذي صدر عن النائب محمد رعد، رئيس كتلة نواب "حزب الله" في حقّ الرئيس سعد الحريري؟ منذ متى يحقّ لحزب، يعتبر نفسه لبنانيا، القول انّ هناك لبنانيين آخرين ممنوع عليهم ان يكونوا في لبنان؟

اخيرا وليس آخرا، لماذا هذا الإصرار على اطلاق شخص مثل ميشال سماحه، مدان بالصوت والصورة بنقل متفجّرات والسعي الى تنفيذ عمليات ارهابية لخلق فتنة طائفية ومذهبية، في تحدّ لمشاعر كلّ اللبنانيين الشرفاء حقّا، خصوصا كلّ سنّي ومسيحي، لم يبع نفسه، ودرزي؟

هل بدأت ايران تحصل على مكافآت على حسن سلوكها في تنفيذ الإتفاق في شأن الملفّ النووي؟ يبدو ان هذا هو الجواب عن السؤال المطروح. حتّى قبل رفع العقوبات عنها، باشرت ايران تشديد العقوبات على لبنان. لم تعد تكتفي بتحويل البلد "ساحة" تتم عبرها عملية التبادل السكّاني التي تجري في سوريا من منطلق مذهبي. لم تعد الأراضي اللبنانية التي يسيطر عليها "حزب الله" مكملة فقط لعملية فرض طوق الحصار والتجويع على بلدة مثل مضايا قريبة من الحدود.

بدأ الكلام الصريح الذي ترافقه خطوات اجرائية عن ان لبنان صار محكوما من طهران. ممنوع على مجلس النوّاب الإنعقاد لإنتخاب رئيس للجمهورية حتّى لو كان المفروض ان يصبح رئيسا من قلب جماعة الثامن من آذار التابعة لـ"حزب الله". ممنوع على الحكومة ان تجتمع بكامل اعضائها وان تتخذ قرارات تسهل حل الأزمات التي يعاني منها المواطنون. صار القضاء مقيّدا بما يريده "حزب الله" وما تريده ايران. كلّ السلطات في لبنان، السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية صارت بامرة ايرانية. اكثر من ذلك، يتجرّأ وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل حيث لا يجروء آخرون، بما في ذلك وزير الخارجية العراقي، فيصبح ناطقا باسم ايران في مؤتمر لوزراء الخارجية العرب!

هل على لبنان دفع ثمن الإتفاق في شأن الملف النووي الإيراني؟ انه سؤال مشروع بعدما رفع العالم العقوبات على ايران وسمح لها في الوقت ذاته بزيادة عقوباتها على لبنان.

اما آن لهذا الليل اللبناني الطويل ان ينتهي؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
بورقيبة الحاضر بعد ثلاثين سنة
2017-11-24
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
المزيد

 
>>