First Published: 2016-01-24

جديد الصحافة يبحث عن القارئ

 

صحيفة 'ذي ديلي' الرقمية فشلت لأنها لم تستطع خبرة القارئ القريب منها، وستواجه 'تايمز أوف لندن' محنة التعرف على تطلعات ورغبات القراء في 46 بلدا، وهذا وحده يبعث على عدم الإفراط في التفاؤل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

مع إطلاق “تايمز أوف لندن” وهي صحيفة رقمية أسبوعية جديدة تهدف إلى إيصال محتواها إلى 46 بلدا، بدا الأمر وكأن إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ يدور حول أفكاره السابقة، وليس حول أمواله!

من المهم أن نشير هنا إلى أن إطلاق الصحيفة جاء بعد أسابيع من تخلي “ذي صن” أشهر صحف مردوخ الشعبية عن فكرة دفع رسوم مقابل الحصول على محتوى الجريدة على الإنترنت، وبعد أعوام من تطبيق الفكرة التي آلت إلى التراجع، عندما اكتشف المشرفون على الصحيفة أن الجمهور لا يدفع مالا للحصول على محتوى يمكن أن يعثر عليه مجانا على الإنترنت.

الصحيفة الرقمية الجديدة هي ابنة رقمية لصحيفة ذي تايمز أشهر صحف مردوخ التي عرفت بحساسيتها العالية، توجه خطابها إلى القارئ العالمي عبر تقديم صورة إخبارية وتحليلية عن بريطانيا، وتحمّل على تطبيقات آبل في الهواتف والأجهزة المحمولة على أن تستخدم التطبيقات الأخرى مستقبلا.

في الإعلان الأولي عن المولود الرقمي الجديد من ذراع مردوخ، ستكون الصحيفة مجانية خلال الشهر الأول إلا أنها ستكلف المشترك بعدها 3 جنيهات شهريا بعد أن يستقبل على جهازه حزمة من التقارير والتغطيات الرياضية والاقتصادية والمقالات والمقابلات الحصرية، مقدمة بغير صيغتها المحلية المتوفرة في صحيفتي تايمز وصاندي تايمز.

ويعزو جون ويثرو رئيس تحرير تايمز ذلك إلى أن صحيفة التايمز البريطانية كانت على مدار سنوات طويلة واحدة من الصحف الأكثر شهرة في العالم، وبنت سمعتها على مصادر موثوق بها في إعداد تقارير دقيقة، وتعليقات عميقة من كتاب أعمدة بارعين.

وقال إن الصحيفة الجديدة ستنطلق من تلك الفكرة وتقدم محتواها إلى القارئ في العالم مخاطبة إياه بدلا من القارئ البريطاني.

مثل هذا الكلام، سبق وأن قاله مردوخ قبل سنوات تزامنا مع شيوع الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، عندما أطلق بمعية شركة أبل ما سمي حينها “ذي ديلي” وكانت أشبه بفكرة “أي جريدة” بعد إطلاق أي فون وأي باد، كانت صحيفة رقمية مغرية في تصميمها، ورغم أنها لا تكلف القارئ أكثر من دولارين أسبوعيا فقد بقيت تدور على محتواها إلى أن سقطت ميتة من دون أن يتذكرها أحد وبعد أشهر من انطلاقها.

ماتت “ذي ديلي” التي لم يستمر عمرها الحقيقي والافتراضي غير عامين، لأن سؤال المحتوى بقي معلقا، وعبر حينها مردوخ عن أسفه لأن الصحيفة الرقمية لم تجد من الجمهور ما يكفي ليبقيها حية، ووعد في بيان نعيها التعلم من تلك التجربة!

حينها نقل موقع “بايد كونتانت” البريطاني نتائج مسح، شمل 1200 قارئ في المملكة المتحدة، سألهم عن رأيهم حول استعدادهم للدفع مقابل الحصول على أخبار كانوا يحصلون عليها مجانا في السابق، ولم تكن النتائج إيجابية.

وتبدو “تايمز أوف لندن” وفق التعريف الأولي بها نسخة طبق الأصل من “ذي ديلي” التي سقطت ميتة قبل أن تولد في الأجهزة اللوحية المنتشرة بشكل كبير. مع فارق وحيد أن خطابها سيكون موجها لقارئ عالمي أكثر من كونه بريطانيا.

مازال سؤال المحتوى من دون إجابة، نفس السؤال الذي أسقط “ذي ديلي” سيتكرر أمام “تايمز أوف لندن” وهذه المرة من قارئ عالمي.

هل بمقدور مثل هذه الصحيفة أن تقدم ما يكفي من المحتوى ليكون منافسا للكم الهائل من المعلومات والصور والأخبار المتوفرة على الإنترنت اليوم.

هل سيكون القارئ في الصين مثلا أو ماليزيا أو دول الخليج العربي مستعدا لدفع رسوم من أجل الإطلاع إلى سلة أخبار تكررها الأشرطة التلفزيونية والمواقع الاجتماعية والإلكترونية بشكل فاق طاقة الإنسان على الاستقبال.

لقد فشلت “ذي ديلي” لأنها لم تستطع خبرة القارئ القريب منها، وستواجه “تايمز أوف لندن” محنة التعرف على تطلعات ورغبات القراء في 46 بلدا، وهذا وحده يبعث على عدم الإفراط في التفاؤل.

تبدو الثقة التي كانت يتحدث بها إمبراطور الإعلام قبل أعوام عن استعادة العائدات الكبيرة التي انهارت في سوق الصحافة المريضة مع بيع محتوى الصحف الرقمية، والمبالغة في الكلام عن صناعة مضمون مختلف ونوعية أفضل مقارنة مع الآخرين، مثار اختبار مستمر ليس للناشرين فحسب، مثل هذه الثقة تواجه الصحفيين الذين يدورون حول صناعة إخبارية تبحث عن مكان لها في فضاء صار جميع الناس فيه صناع خبر.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>