First Published: 2016-01-25

الحروب المفتوحة في العراق

 

المحاصصة الطائفية تكشف بالضبط كيف تبدو صورة غنيمة الحرب واضحة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا نية لدى امراء الحرب في العراق للجنوح إلى السلم.

الحرب على الارهاب المتمثل بتنظيم داعش ليس سوى حجة للاستمرار في دق طبول حروب آخرى. الارهاب هناك هو صفة لا تشير إلى فعل بعينه بل إلى نوع من البشر. لا يحتاج المرء إلى أن يمارس الارهاب ليكون ارهابيا.

"الارهابي هو كل شخص لا يدين لجماعتنا بالولاء." ولكن من هي جماعتنا؟

عبارة مموهة لا تثبت عند حدود معنى ثابت. دائما هناك صراع بين "نحن" و"هم". ليس هناك "انتم" فالحوار يتم دائما مع غائب. لا يرى العراقيون بعضهم البعض الآخر. هناك فراغ تضطر دول الجوار إلى ان تملأه.

ما نجح العراقيون فيه بعد أن خسروا دولتهم وفقدوا النظام القوي الذي كان في إمكانه أن يحد من رغبتهم في الفوضى أنهم اخترعوا اسبابا لا تحصى لحروب لا يكفي جيل أو جيلان لإطعام نيرانها.

لقد قيل يومها إن ما ظهر من فوضى هو نتيجة طبيعية لعقود من الكبت ومصادرة الحريات والقمع. وهو كلام غير صحيح إلا إذا أغمضنا أعيننا عن تجارب شعوب آخرى كانت قد تعرضت لما تعرض له الشعب العراقي من قهر واستطاعت أن تبني بلادها وترمم ما تهدم من نسيجها الاجتماعي من خلال العودة إلى الثوابت الوطنية.

ما جرى ويجري في العراق ما كان له أن يدخل في صميم سبل العيش لو أن تلك الثوابت كانت موجودة. كان هناك نوع من التراضي هو أساس العيش المشترك بين مواطنين، نجحت الدولة المدنية في أن تكون مرجعيتهم الوحيدة.

أما وقد غابت تلك الدولة فإن التراضي نفسه كان عنصرا هشا لم يقو على الصمود أمام مفردات ومفاهيم وقيم ثقافة الاحتلال التي كُلف بإشاعتها مثقفون عراقيون كانوا بمثابة متعهدي هدم وتخريب يعملون لدى المحتل.

لم تكن صدفة أن تتسلل تلك المفاهيم إلى الدستور العراقي الجديد لتتخذ طابعا صلبا، سواء من خلال فقراته أو من خلال الروح التي تنظم عمله.

على سبيل المثال فإن الشعب العراقي لا يرد ذكره إلا بإعتباره مجموعة من المكونات الاثنية والطائفية التي جرى تجميعها عن طريق الصدفة التاريخية وهو ما يشير إلى الكذبة التي جرى الترويج لها والتي تنص على أن العراق كيان سياسي جرى تلفيقه من قبل بريطانيا بعد سقوط دولة بني عثمان.

ومن تلك المفاهيم ما يتعلق بعروبة العراق حيث جرى التأكيد على أن العرب يشكلون جزءا من سكان العراق، وهي الصلة الوحيدة التي ينبغي اعتمادها في اطار الصلة بالعالم العربي. من تلك الفقرة تفرعت فقرة تقر بإن للعراق لغتين، الكردية والعربية.

وإذا كان الدستور لا ينص على اعتماد نظام المحاصصة في الحكم وفي البرلمان وتوزيع الوظائف، فإن ذلك المبدأ قد جرى اعتماده بناء على ما يقره الدستور نفسه حين وزع الشعب العراقي بين المكونات فكان لزاما أن يتوزع العراق (البلد والدولة) بين ممثلي تلك المكونات.

فكان لكل طائفة محافظاتها ووزاراتها وحصتها في البرلمان وفي المال العام.

ولأن الطائفة لا يمكن النظر إليها إلا من خلال ممثليها فقد كان لكل حزب داخل الطائفة الواحدة محافظاته ووزارته وحصته من المال العام.

وهنا بالضبط تبدو صورة غنيمة الحرب واضحة.

ما لم يرغب المحتل الاميركي في ضبطه يتعلق بالحصص المخصصة لكل فريق مشارك في العملية السياسية، التي هي ليست في حقيقتها إلا حاضنة لنهب ثروات العراق وتهريبها.

بسبب غياب الضبط الواضح ظهر امراء الحرب لينافسوا السياسيين في بسط نفوذهم والاستيلاء على ما تبقى من الغنيمة.

لعب امراء الحرب دورا مهما في التهيئة لظهور داعش وهم يلعبون الدور نفسه في التهيئة لمرحلة ما بعد داعش.

في ظل غياب القاسم الوطني المشترك هناك حروب كثيرة في انتظار العراقيين. فالتقسيم إن وقع لن يكون واقع حال إلا على جثة شعب مهشم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الغام الاخوان تحت أقدام المصريين
2017-05-29
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
المزيد

 
>>