First Published: 2016-01-25

الحياء قطرة لا جرة

 

شخصية مثل بشار الاسد لا يمكن ان تتعلم شيئا من زعامة يونانية تاريخية بقامة قسطنطين كارامنليس.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

في أواسط السبعينيات من القرن الماضي لم يسمح الشعب اليوناني ببقاء الديكتاتورية أكثر من أربع سنوات.

لم تتوقف، ولو يوماً واحداً، تظاهرات اليونانيين ضد الدكتاتورية العسكرية، يمينيين ويساريين، فقراء وأغنياء، متعلّمين وغير متعلّمين، إلى أن جاءت نهاية الدكتاتور "بابا دوبولوس" عندما ركب رأسه وأمر إحدى دباباته باقتحام الحرم الجامعي وقتل عشرين طالباً. عندها انتفض الشعب اليوناني كله، ولم تتوقف انتفاضته إلى أن أسقطت الحكم العسكري والحاكم الدكتاتور وأعوانه.

يومها تمكن محام يوناني وطني شريف اسمه قسطنطين كارامنليس، فأسس حزب "النيا ديمكراتيا - الديمقراطية الجديدة" وفاز بالانتخابات، بضغط شعبي غير طبيعي، فقام بالانسحاب من حلف الناتو، رداً على عدم قيام الحلف بأي إجراء ضد الاحتلال التركي لقبرص، وباستفتاء شعبي تمكن من إلغاء الملكية، وإقرار دستور جديد للجمهورية اليونانية صيف 1975.

ولكن بسبب بطء النمو الاقتصادي، بعد ذلك، وارتفاع أسعار السلع، خسر حزب قسطنطين كرامنلس الانتخابات عام 1981، وتسلم السلطة خصمه العنيد حزب "الباسوك" الاشتراكي برئاسة أندرياس پاپاندريو، وتشكلت أول حكومة اشتراكية في اليونان.

وبسبب هذه العدواة السياسية بين الحزبين كان قسطنطين كرامنلس رئيس حزب الديمقراطية الجديدة خصماً عنيداً جداً لجورج باباندريو رئيس الحزب الاشتراكي المعارض. وكثيراً ما سارت المسيرات الضخمة التي كان الحزبان يتباريان في حشدها في ساحتَي أثينا الرئيستين "بلاكا" و"سندغما" والشوارع المتفرعة عنهما، ويتباريان في اختراع الشتائم لبعضهما.

ولكن، وبرغم كل ذلك، وبرغم انتصارات "الباسوك" على "النيا ديمكراتيا" "لم يقلَّ احترامُ المنتصر باباندريو رئيس الوزراء لخصمه الخاسر قسطنين كرامنلس، ولم يتجاهل أهميته ووزنه على الساحة السياسية، بل كان يستعين به وبعلاقاته ومعارفه في أوروبا وأميركا عند الأزمات.

وحين تقاعد رئيس الجمهورية بدأ البحث عن رئيس جديد. وبعد الكد والجد لم يجد الاشتراكيون الحاكمون بأغلبية ساحقة رئيساً وطنياً مخلصاً، وأميناً على اليونان واليونانيين، سوى خصمهم المعارض العنيد كرامنلس. وبصعوبة بالغة تمكنوا من إقناعه بالقبول بمنصب رئيس الجمهورية.

ويوم أن حلف اليمين الدستوري التقليدي أعلن استقالته من رئاسة حزبه الـ"نيا ديمكراتيا"، وقطع على نفسه، أمام الله والشعب، عهداً بأن يكون رئيساً لكل اليونانيين. ثم كان رئيس جميع اليونانيين، قولاً وفعلاً.

يمتلك كرامنليس شقة قديمة عادية مطلة على الملعب الأولمبي، في قلب العاصمة، منذ أن كان محامياً، وقبل أن يترأس حزب الديمقراطية الجديدة. ومكث فيها وهو رئيس جمهورية. يذهب صباحاً إلى مكتب الرئاسة كأي موظف، وحين ينتهي عمله يعود إلى شقته بسلام.

وفي أيام مباريات كرة القدم في الملعب الأولمبي كان لا يستطيع الخروج من شقته، بسبب زحام البشر والسيارات، فكان يجلس مع زوجته في الشرفة ويشاهد المبارات.

شاهدته أكثر من مرة مع زوجته في مطعم أسماك على شاطئ "غليفادا" يشرب ويأكل بهدوء، ودون أن يتطفل عليها أحدٌ بالسلام والقبلات والهتافات، أو يتمشيان على شاطيء بحر "فولياغميني".

وقد علمت من كثيرين بأنه يقصد هذه المطاعم مساء كل سبت، وظهر كل أحد، دون حراسة. وقيل إنه كان يرفض أن يستضيفه أحد، ويصر على أن يدفع حسابه كاملاً دون نقصان، مع إكرامية معقولة للعمال.

هذا رئيس. وبالمقابل لدينا رؤساء بلا حياء، ولا كرامة، ولا احترام من أحد، لا محلي ولا خارجي. وأكثر هؤلاء الرؤساء قلة حياء وكرامة واحترام هو بشار الأسد، هذه الأيام.

فلو تجاوزنا ما فعله بشعبه ووطنه سوريا، في خمس سنوات، من تقتيل وحرق وتخريب، حتى أصبحت الجمهورية العربية السورية، على يديه، خرابة تنعق فيها الغربان، وأاكفينا بلعلته الناقصة بالاستقواء على شعبه بأكثرالأجانب دموية، وأشدهم همجية وحيوانية، على أساس أن "شبيه الشيء منجذب إليه"، لأدركنا تفاهة هذا المدعو بشار، وعصاباته ومليشياته وشبيحته، وهم مثلُه بلا عقول، وبلا ضمائر، وبلا حياء.

مناسبة هذا الكلام ما تردد، هذه الأيام، بكثرة وبإلحاح، وما يتردد من أنباء عن مصيره المحتوم. بعض التقارير المخابراتية العالمية تؤكد أن روسيا تحاول إقناعه بالتنحي، ولكن الكرملين ينفي. طبعا لقد أصبح بقاؤه في القصر الجمهوري، وربما في الحياة، رهنا بمصالح متشابكة متضاربة لدول كبرى وصغرى. بضاعة معروضة للبيع أو للإيجار، والعياذ بالله.

ففي كل حديث عن حل سياسي للمأزق السوري تبرز دائما مسألة تنحي بشار، وكل من تلطخت يده بدماء السوريين، قبل تشكيل الحكومة المرحلية التي ستتولى جميع السلطات كاملة، لتعد دستورا جديدا للبلاد، وتجري انتخابات تشريعية ورئاسية، بعد سنة أو سنتين، علوفق أسوأ التقديرات وأردأ الأجندات.

يعني أن كل موبقاته بحق الشعب السوري، وكل براميله المتفجرة على المدن والقرى السورية لم تحقق له أحلامه في البقاء في السلطة، ولم تجعل أحدا يحترمه وأو يحسب له حسابا في المستقبل السوري الآتي مهما طال أمد انتظاره، ومهما ثقلت موازين أثمانه الباهضة.

بالمناسبة، إن كل سوري قـَتل أو قـُتل، أو غُيب، أو عُذب أو هُجر من منزله وقريته ومدينته، من جميع الشرائح المتقاتلة، سنة وعلويين، عربا وأكرادا، مسلمين ومسيحيين، خسارة كبرى من رصيد المجتمع السوري، دون جدال.

والخلاصة هي أن هذا المجنون المهووس بكرسي الرئاسة والمتمسك بالحكم، حتى لو على خرابة، لا يستحي، وليس لديه ذرة كرامة. والمثل العراقي يقول إن "الحياء قطرة لا جَرة" حين تسقط لا يعود هناك ما يردع قليلَ الحياء عن أي عيب، لا دين ولا وطن ولا حزب ولا قبيلة.

فهل بشار الأسد رئيس، وقسطنطين كرامنلس رئيس؟

 

إبراهيم الزبيدي

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
ترامب والغاضبون عليه
2017-02-04
'همشرية' ترامب، مرارة أم حلاوة؟
2017-01-25
تعليقات على حروب 'المستشارين' في سوريا
2017-01-10
اللهم لا شماتة
2017-01-05
فيلم كاوبوي سوري في موسكو
2016-12-22
داعش إرهاب وداعش جهاد
2016-12-14
عن أحوال 'القوى الرديفة' في العراق
2016-11-30
نحن وإيران، من أوباما إلى ترامب
2016-11-22
العرب على طاولة قمار ترامب
2016-11-10
خارطة المنطقة في الخيال الإيراني
2016-10-25
المزيد

 
>>