First Published: 2016-01-26

بيوتنا الأقراط في أذن السماء

 

علي صدقي عبدالقادر واحد من أهم معالم طرابلس، ويبدو لي أنها لن تكتمل من دون أن ينصب له تمثال في باب المدينة يؤشر بإصبعه الصغير باتجاه البحر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

في مشهد رث ومترهل ممتد على أطول ساحل على المتوسط، تفتقد مدينة طرابلس التمثال الذي يعيد اتساقها مع روحها، ولأن طرابلس وليبيا برمتها بلا تماثيل، فإن تمثال علي صدقي عبدالقادر يبدو الوحيد الذي سيعيد الألفة المفقودة من المدينة، ومن غير الشعراء يعيد للمدن ألفتها؟

هل سيتراجع هيرودوت عن جملته الشهيرة، فلم يعد يأتي من ليبيا أي جديد غير الذكرى، ومن المناسب هنا تذكر شاعر مثل علي صدقي عبدالقادر مات على سريره الصغير فيما أوراق موافقة نقله للعلاج معطلة في أروقة اللادولة آنذاك.

وإلى اليوم لم تعد الدولة حتى بعد سنوات من حادثة العقيد القتيل، بينما بقي الليبيون يغنون أنشودته بلد الطيوب: وبيوتنا الأقراط في أذن السماء.

علي صدقي عبدالقادر (1924- 2008) كائن مختلف يربط علاقة المكان بالمكين في طرابلس بشعره ومشيته وربطة عنقه وكأنها فراشة لا تفارق صدره الصغير الذي أضحى وردة حمراء، وهو واحد من أهم معالم طرابلس، ويبدو لي أنها لن تكتمل من دون أن ينصب له تمثال في باب المدينة يؤشر بإصبعه الصغير باتجاه البحر.

إقامة تمثال لعلي صدقي عبدالقادر في طرابلس وبعد سنوات من رحيله المرير الذي لم يَلقْ بالشعراء، معادل لجلسة جاك بريفير بمقهى على جادة باريسية، خلف طاولة تضيق على كأس نبيذه الصغير.

ربما عندما يمر من أمام مثل هذا التمثال، أولئك الذين حرموا الناس لحظة تأمل أمام البحر أو جلسة رائقة في مقهى بالمدينة القديمة، يتخلصون من نزعات القتل ويعيدون لطرابلس روحها المسلوبة، إذا لم يقدر الشعراء في حياتهم إنقاذ الفرح من مخالب الأشرار فربما تماثيلهم تعيد الأمل بعد موتهم.

المتمدن الوحيد في طرابلس بعد أن خيمت عليها بداوة العقيد القتيل

فعلي صدقي عبدالقادر واجه إشاعة موته منتصف التسعينات عندما كان يترك سيارته العتيقة ويسرع ماشيا بطرقات طرابلس، بقصيدة لا موت بعد اليوم: لم يعد هناك شيء اسمه الموت منذ الآن، وإننا سنلتقي بعد مليون سنة.

وعندما سمع العقيد مثل هذا الكلام فسره كعادته بأنه يتحداه وسأله لماذا اخترت مليون سنة تحديدا، فرد عليه الشاعر بلا وجل “إنه موعد أولي وسيكون عشرة ملايين سنة في المرات القادمة”.

كان السريالي الأخير، هكذا وصفه جيل آخر من الشعراء الليبيين وهم يواجهون الرثاثة وأطلقوا عليه الاسم الحركي للوردة وشاعر العودة إلى الرحم.

قد أبدو حالما وأنا أرى تمثال الشاعر يكفكف دموع المدينة، لكنه الحل الذي أملكه لمدينة مررت بها يوما ما وأتأملها اليوم من بعيد وينكسر قلبي على حزنها، أدرك أن علي صدقي عبدالقادر كان المتمدن الوحيد في طرابلس بعد أن خيمت عليها بداوة العقيد القتيل.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم علي الشاوش
الدولة مصراتة

مقال جميل لاخ وصديق عزيز هو كرم نعمة الذي لم ينس الماء والملح وذكر مصراتة التي احبها واحبته، ومقترح التمثال لشاعر الشباب علي صدقي لا احد من السياسيين يفكر فيه لانه مشفلون بغيره

2016-01-27

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
السياسيون لم يعودوا من المشاهير
2017-07-26
مشهد واقعي لأخبار مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة
2017-07-23
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
المزيد

 
>>