First Published: 2016-01-27

السعودية وعدن.. بين الأمس واليوم!

 

تقلبات مثيرة للعلاقة بين الرياض وعدن، ما بين اشد العداوة وأقصى التقارب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

لفت نظري ما نُشر عن بوسترات داخل مدينة عدن، تحمل صورة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، مع عبارة «سلمان الحزم»، والمناسبة مرور عام على توليه العرش. عادت بي تلك الصورة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وكيف كانت العلاقة متوترة، على طول الخط، بين الرياض وعدن عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكيف كان إعلام الدولتين ينقل الاتهامات المتبادلة، وبين يوم وآخر يلقى القبض بعدن على جماعة متهمة بالتخابر لصالح السعودية!

أتذكر أن معارض المدارس الثانوية السنوية كانت تكبِّر صورة قواعد أميركية مزعومة على حدود اليمن الديمقراطية الشعبية، ومنها قاعدة «خُميس مشيط»، وعندما زار الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، آنذاك، علي ناصر محمد، وبرفقته وزير الدفاع صالح مصلح (قُتل 1986)، وكنت واقفاً قريباً من الصورة، كأحد منظمي المعرض، أشار وزير الدِّفاع بالقول: «هذا غير صحيح لا توجد قاعدة عسكرية هناك»، وعندها قلنا له: «أنت وزير الدِّفاع.. أدرى بشعابها».

ليس هذا فقط، إنما كانت تحصل مواجهات بين عدن والرياض، بدأت على الحدود عسكرياً في أوائل السبعينيات، من جهة محافظة شبوه (الرابعة) وامتدادها إلى الربع الخالي، واستمرت في الإعلام، فكان الثوريون العرب، بشكل عام، يعتبرون أي اضطراب يحصل بعدن مصدره المملكة العربية السعودية! وحتى عندما انفجر الموقف (1978) داخل قيادة التنظيم الطليعي بين رئيس هيئة الرئاسة سالم ربيع علي وبقية القيادة بزعامة عبدالفتاح إسماعيل (قُتل 1986) سمعنا أهزوجة من عراقيين «اشعدها ادور وتلف السعودية ما تسقط حكومة عدن ثورية»! والمعنى ماذا تريد السعودية مِن عدن؟ مع أن المعركة كانت داخل القيادة اليمنية، ولم تعلن حكومة عدن على أن الأمر مرتبطاً بدولة خارجية.

كذلك كنا نسمع مِن إذاعات صديقة للرياض بأن المساجد قد أُغلقت بعدن، مع أن صلاة الجمعة كانت تُقام بمسجد العيدروس وسط عدن بحي كريتر. حصل هذا مع وجود عدد كبير مِن مواطني اليمن الديمقراطية داخل السعودية، كانوا يحولون العملة الصعبة من رواتبهم إلى ذويهم، ووجود تبادل دبلوماسي.

وكان الاقتراب من السفارة أمراً محرماً، وعلى وجه الخصوص في عقد السبعينيات، وتهمة التجسس لحساب السعودية شائعة، فراح ضحيتها عضو المكتب السياسي وأحد مؤسسي الحزب الاشتراكي اليمني ووزير الخارجية الأسبق، محمد صالح المعروف باسمه الحزبي (مطيع)، وذلك في أوائل الثمانينيات، وما سمعناه أنه تأخر عن الوفد لساعات، فدبرت ضده تلك التهمة، وقد اتضح أن القضية قضية تصفيات في القيادة الاشتراكية اليمنية.

وكان قد شاع في الشارع العدني أن السعودية ضد الوحدة اليمنية، وبعد أن حصلت الوحدة وذاق الجنوبيون مرارتها، تداولت حكاية أن وزير الخارجية السعودي وصل عدن وقَدم مساعدات لها على أن لا تقوم الوحدة، لكن الغريب أن الشائعة الأخيرة، بعد الوحدة، كانت تُقال مِن بباب النَّدم واللوم للقيادة الاشتراكية التي لم تقتنص الفرصة، وكل هذا يتداول في الشارع ومجالس القات!

وتغيرت الأحوال، وبالفعل وقفت السعودية سياسياً ودبلوماسياً مع الجنوب في حرب صيف 1994، ضد جيش علي عبدالله صالح، فقُبيل ذلك استقبلت القيادة السعودية أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني ونائب رئيس دولة الوحدة علي سالم البيض رسمياً بحضور الملك وولي العهد في المطار، وكانت رسالة واضحة للتعبير عن الموقف مع الجنوب، يوم كانت العلاقات مع الشمال قد ساءت لموقف قيادته المناصر لاحتلال الكويت. وبعد اجتياح عدن استقبلت الرياض عدداً من زعامات الحزب الاشتراكي، وما زال بعضهم مقيماً هناك.

فلم يعد، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، هناك سبب للمجافاة بين الرياض وعدن. أقول: لم تتغير السياسة فقط وإنما تغير النَّاس أيضاً، فلم يبق مِن الجيل الثوري سوى صدى الماضي، وقد ذهبت تلك المواقف بذهابه.

فعدن استقبلت اليوم قوات سعودية وإماراتية، لنصرتها ممَن غزاها مِن جهة الشمال، مع مساعدات لإعادة إعمارها، وترى في داخلها بوسترات وصوراً لقادة الدولتين، ربَّما ساهم بوضعها عضو في الحزب الاشتراكي، ومشارك في «الحراك الجنوبي»، تلك الحركة السلمية التي ترى فيما حصل بعد الوحدة مع صنعاء غبناً لعدن.

إنها تبدلات أحوال الزمان، وتحولات الرجال، فكلُّ مَن شهد التجافي والعداء بين عدن (الشيوعية) والرياض، ويشهد التلاقي الآن، تأخذه الدهشة والعجب مما حصل بين الأمس واليوم، فلا عدن داعمة الحركات «الثورية» بالجزيرة والخليج، ولا الرياض داعمة لجماعات ضدها، وما كان يحصل هذا لولا وقف الحرب الباردة بين القطبين الرأسمالي والاشتراكي.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
الاختراعات والاكتشافات.. فضحتنا!
2017-04-19
14 عاماً والانتقام يكوي الضُّلوع!
2017-04-12
تونس.. للتنوير أساس ودعاة
2017-04-05
الإسلاميون.. صادروا الشُّهداء أيضاً!
2017-03-29
طريق الإخوان ليس بهذا النُّبل
2017-03-22
وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟
2017-03-15
العراق والسعودية.. وخسارة الطائفيين
2017-03-08
قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟
2017-03-01
العراق.. وطابع البريد الباقي
2017-02-22
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
المزيد

 
>>