First Published: 2016-01-27

طي صفحة دارفور أم صفحة البشير؟

 

البشير يترك أعوانه يتحدثون بصلف ووقاحة عن طي صفحة دارفور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يراهن النظام السوداني على النسيان في ما يتعلق بماضيه الملطخ بدم الابرياء. شعاره في ذلك " تسقط الجريمة بالتقادم". يختفي القتلة حين يموتون. كما لو أن الاعتراف بالجريمة واتخاذ موقف صريح منها مرتبطان بوجود المجرم حيا فإن السودان يطالب اليوم بطي صفحة دارفور.

300 الف إنسان قتلوا في دارفور.

كم هو عدد المتآمرين الذين قتلهم صدام حسين وحكم عليه بسببهم بالإعدام؟

لقد ارتكبت العصابات اليهودية جرائم في حق القرى الفلسطينية تمهيدا لقيام الدولة العبرية. لا تزال كفر قاسم القرية الفلسطينية التي محتها عصابة الهاغانا اليهودية تقيم في الذاكرة البشرية جرحت مازفا.

هل تُنسى لحزب الكتائب اللبنانية ما ارتكبته من مجازر في صبرا وشاتيلا؟

بول بوت في كمبوديا كان قد ارتكب جرائم تضاهي بقسوتها ما ارتكبته عصابات الجنجويد المدعومة من القوا ت الحكومية في دارفور.

بول بوت كان قد حوكم، لكن في نهاية عمره. بالنسبة لعمر البشير فإن الحكم الصادر في حقه يعد نهائيا. لقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة بإعتقاله بإعتباره مجرم حرب.

إن لم تكن الجريمة قد نفذت بأوامر شخصية من البشير فإن الرجل تستر على المجرمين الذين أدينوا دوليا. تواطأ البعض مع صفته رئيسا وتعاطفوا معه، غير أن البشير لا يملك القدرة على تغيير صفته بإعتباره مطلوبا للعدالة.

بالنسبة للعالم فإن رجلا له صفات البشير لا يمكن تغيير الرأي في شأنه.

سعى البشير إلى ارضاء الولايات المتحدة من خلال موافقته على تقسيم السودان وانفصال الجنوب ولكن ذلك المسعى كان ينطوي على الكثير من الغباء. فانفصال جنوب السودان شيء وما حدث في دارفور شيء آخر.

محا البشير جريمته الأولى في دارفور بجريمة جديدة في الجنوب.

على حساب بلده قدم البشير تنازلات مذلة غير أنه لا يزال مطلوبا للعدالة.

الوقاحة التي تنطوي جملة "طي صفحة دارفور" تليق بنظام استطاع أن يمحو بدهاء وخبث كل أثر يُذكر بالحياة السياسية الحديثة ليصل بالسودان إلى مرحلة عبثية، لا يملك أحد من الاطراف الحزبية السودانية التي لا تزال مهتمة بمستقبل البلد فكرة عما يمكن أن تؤول إليه الامور في ظل بقاء نظام البشير.

كل الطرق تبدو مسدودة بطريقة محكمة.

فالبشير الذي سعى إلى أن يكون مقبولا عربيا وافريقيا سيبقى عاجزا على تقديم نفسه رئيسا في المحافل الدولية.

دارفور تلاحقه اينما حل. لعنة القتلى الابرياء تقف بينه وبين محاولته القفز على الماضي. ليس في إمكان أحد، مهما كانت براعته في فنون السحر الافريقي أن يسكت صرخات القتلى.

كان قتلى دارفور أكثر حظا من سواهم من القتلى حين وصلت صيحاتهم إلى المحكمة الجنائية الدولية. في المقابل فإن البشير لم يكن محظوظا مثل اولئك المجرمين الذين أفلتوا من مواجهة العدالة.

إن ما يجدد الشعور بالاستياء من استمرار انظمة مثل نظام البشير أن ذلك النظام برغم صدور الحكم القاطع في تجريمه لا يزال يعتقد أن في إمكانه أن يعيد تأهيل نفسه عالميا، مغمضا عينيه عن حقيقة أن العدالة كانت قد اتخذت قرارها.

ما لا يفهمه النظام أن أحدا لا يمكنه مد يد العون له في اخفاء آثار جريمته التي لم تعد شأنا داخليا. فمن الصعب إنسانيا أن يتمكن المجرمون بالمتاجرة بخبراتهم الوحشية التي تستخف بصرخات الضحايا من غير أن يوضعوا في الاقفاص التي هي أماكنهم الطبيعية.

لقد قتل البشير من السودانيين عددا من البشر يزيد بكثير على ما قتله الطغاة العرب الذين طويت صفحاتهم، أما كان حريا بالمجتمع المتحضر أن يساعد السوادنيين على طي صفحته، بدلا من أن يترك أعوانه يتحدثون بصلف ووقاحة عن طي صفحة دارفور؟

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
آن لقطر أن تطوي مشروعها
2017-09-11
هناك إرهاب يفصل بين قطر والعالم
2017-09-10
العلاقات العربية ــ الإيرانية كذبة سوداء
2017-09-09
المزيد

 
>>