First Published: 2016-01-28

إغلاق صفحة سياسية قاتمة في مصر

 

صار فك الارتباط بين معادلة 'الإرهاب وتأجيل طموحات الثورة' قضية محورية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

العبر التي انطوت عليها الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير كثيرة ومتنوعة ومتشعبة، وأبعد من مرورها بسلام، وأهم من الحفاظ على هيبة الشرطة، وأوسع من ترسيخ إخفاقات الإخوان المتكررة، لأنها تضمنت دلالات تتعلق بأن مصر أصبحت على أعتاب استقرار حقيقي، يستلزم القيام بجردة حساب للماضي، وتنقيته من الشوائب، والالتفات نحو المستقبل، والاستعداد للتعامل مع احتياجاته الشاملة.

التطورات التي جرت على ظلال هذه الذكرى خلال الأيام الماضية، أكدت أن 25 يناير ثورة بامتياز، حتى لو كان هناك من لا يزال يزعم أنها "مؤامرة"، وينكر رؤية الشمس أمام عينيه في وضح النهار، ويتغافل عن البصمات الظاهرة للانحيازات السياسية والاجتماعية التي طالبت بها، ويختلق بعض المماحكات التي لا طائل منها الآن.

فقد توارى هؤلاء خجلا أخيرا، وإذا ظهروا جاءوا بصور ملتوية ومرتعشة، حتى كتائبهم الإعلامية لم تجرؤ على تكرار الحديث الممجوج بشأن حصر الثورة في أنها والإخوان وجهان لعملة واحدة، وهي مغالطة تستوجب محاسبة قانونية وأخلاقية، لأن العزف على هذا الوتر منح الجماعة وزنا أكبر مما تستحق، وجعل أصحابها في خندق الرجعية، وضد الشعارات النبيلة التي تمنى المواطنون تحقيقها بثورة أو بدونها.

لست بحاجة للكلام عن هذه المسألة، فقد سبقني من هم أقدر مني على توصيف يناير كثورة، ويونيو مكملة لها، وببساطة لو أن يناير لم تحدث لما جاءت ثورة 30 يونيو، لذلك هناك ضرورة لتصفية النفوس، وإنهاء حالة الارتباك الذي يتعمد نثره البعض أحيانا، وإعمال سيف القانون، والالتفات حول تحقيق أهداف الثورتين في الكرامة والحرية والعدالة، الأمر الذي يفرض وقف حالة الاستقطاب، التي يتفنن البعض في تكريسها، وقدر كبير من الجرأة في الإصلاح والمحاسبة، ووضع الروشتة اللازمة لإغلاق الصفحة القاتمة، وفتح صفحة جديدة ناصعة.

الوصول إلى الصفحة البيضاء لن يكون مفروشا بالورود، بل يتطلب جهدا مخلصا، من المسئولين وصناع القرار، وأصحاب الرأي والفكر من جهة، وتنازلا واجبا من ذوي المصالح الذي نجحوا خلال الفترة الماضية في ابتزاز قطاعات مختلفة في الدولة، ووقف الضجيج الذي يخرج من أفواه أنصار الصوت العالي، والكف عن رفع سيوفهم الخشبية على أعناق الكثير من الشرفاء من جهة أخرى.

لأن تقاعس الفريق الأول عن القيام بمهامه الرئيسية، لم يعد مقبولا، حيث قطعت البلاد شوطا كبيرا نحو توفير الأمن والاستقرار، ولم تعد هناك حجج تبرر التلكؤ السابق في اتخاذ قرارات مصيرية، يتطلع إليها من راهنوا على القيادة السياسية الحالية، ولم يعد مقبولا أيضا تبرير رهن الطموحات بالقضاء على الإرهاب، الذي أثبتت الأيام أنه لا يتعدى الحدود العشوائية المسموح بها، بعد أن تم إحكام السيطرة على أعمدته الأساسية، كما أن دولا عريقة معروف أنها تحظى بدرجة عالية من الأمن، أصبحت مهددة في كل لحظة بأمراض الإرهاب.

لذلك أضحى فك الارتباط بين معادلة "الإرهاب وتأجيل طموحات الثورة" قضية محورية، خاصة أن عجلة المشروعات الإستراتيجية بدأت فعلا في الدوران، وبحاجة فقط لأن تسير إلى جوارها بعض المشروعات السياسية والاجتماعية المؤجلة، والتي تتعلق بأهداف الثورة (الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية)، قد يتصور كثيرون أن جانبا منها أخذ طريقه للتنفيذ، وهذا صحيح، لكن لا تزال هناك حزمة من الخطوات يجب التعجيل بها، حتى تتهيأ البيئة المصرية لاستيعاب النتائج الحضارية، التي تترتب على المشروعات العملاقة، فمطلوب بناء مجتمع متكامل، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

ضمن هذا الفريق (الأول) عدد كبير من أصحاب الرأي والفكر فضل الانزواء ورفض التعامل مع الواقع الشائك، يأسا وإحباطا، وعدد آخر ارتاح للنفاق وضرب الودع وتبرير أي شيء، بالحق والباطل، في محاولة رخيصة للاستفادة المادية والمعنوية، وهناك مجموعة تراهن على اقتراب رفع الالتباس، وترى إمكانية للتطوير، بما يتناسب مع أهداف الأغلبية الكاسحة من المواطنين.

على أنصار هذا الفريق التوافق حول أجندة موحدة، تحتوي على حلول لكثير من الأزمات، التي تبدو التباينات الشخصية أحد أهم استمرار عقدها، ومن ينظر إلى مجموعة القوانين المعطلة، مع أنها مكملة للدستور، يتيقن أن الأبعاد الشخصية تتحكم في كثير من مفاصل الدولة الوطنية.

نأتي لأنصار الفريق الثاني، الذي يحتاج إلى معاملة قانونية حاسمة، فقد سئم الناس طريقة الابتزاز، وتضخيم الذات، ووضع العصي بين العجلات، حتى تستمر حالة الارتباك العام، لأن أفراده يدركون أن عدوهم الأول الجنرال استقرار، وهؤلاء يتجاوز عددهم عناصر الإخوان المعروفة والمكشوفة، وللأسف منهم من انخرط في دولاب الدولة الرسمي، أو يتمسح فيه، ومنهم من يدعي النضال ليلا ونهارا، لتضخيم حجم العداء، ليحافظ على مهمته، ومنهم من يتطوع لأداء مهام تتحول إلى كوارث، ويدفع ثمنها النظام.

هؤلاء إذا لم يكفوا من أنفسهم عن طريقتهم البلهاء في النفاق، يجب أن تتخذ ضدهم إجراءات قانونية مناسبة تخرصهم، لأن تركهم ليزدادوا تضخما، سيجعل مهمة اقتلاعهم، أزمة قد تستعصي على الحل سريعا، ويكفي ما قاموا به من تشويه، قدم إشارات سلبية ومنح جهات معادية الكثير من الفرص للنيل من سمعة الدولة.

كما أن الصبر على اقتلاع الفساد من جذوره، جعله يتوغل وينتشر، ليضاعف من عملية مواجهته، وربما يكون تقرير رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، والتقرير الذي أعدته لجنة رئاسة الجمهورية، وتم تحويلهما للبرلمان، فرصة ذهبية وحركة ذكية لفتح هذا الملف على مصراعيه من قبل جماعة محايدة، لتطفو على السطح الجراثيم وكل جرائم الفساد أمام الرأي العام، فمناقشات واستجوابات مجلس النواب، يمكن أن تحمل مفاجآت، قد تصعب السيطرة عليها بالطرق التقليدية.

كلنا نعلم أن السير نحو المستقبل، يتطلب عزيمة قوية، ويحتاج المزيد من الجهود والتضحيات، فقد راحت السكرة وجاءت الفكرة، كما يقولون، أي لم تعد هناك أعذار مقبولة لتأخير إجراءات الإصلاح الشامل، وعلى أصعدة متعددة، فالنظام قطع شوطا كبيرا نحو الإمساك بزمام أمور، كانت قد شهدت فوضى وانفلاتا عصيبا، وعليه أن يستعد لتدشين إنحيازاته ورؤيته بصورة أكثر وضوحا، يجمع بها الشتات من الشباب والفئات المختلفة، لتكون سلاحه لاستكمال المسيرة التي تتربص بها قطاعات داخلية وخارجية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>