First Published: 2016-02-02

فرنسا: اسقاط الجنسية عن 'داعش'!

 

الاجراءات الفرنسية المقترحة لمواجهة الارهاب تنال من صميم فكرة فرنسا عن نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

على أثر الصدمة الكبرى التي أصيبت بها فرنسا عقب الهجمات الإرهابية التي طالت عدة أهداف في العاصمة باريس (13 نوفمبر الماضي)، فُرضت حالة الطوارئ وجرى اقفال الحدود البرية وأعلن الرئيس فرانسوا هولند أن بلاده في "حالة حرب"، وأن فرنسا تتعرض لأخطار حقيقية يشنها الأرهاب في العالم.

لم يكن ذلك الإعلان ردّة فعل صورية، بل أن باريس التي كانت قد حرّكت قبل ذلك حاملة الطائرات شارل ديغول إلى المنطقة، أعلنت أن طائراتها ستشارك في ضرب أهداف لداعش في سوريا أيضاً، بعد اقتصار نشاطها قبل ذلك على أهداف داخل العراق. راحت أوساط الدفاع الفرنسي تنشطُ للتواصل مع الدول ذات الصلة، سواء تركيا أو دول الخليج إضافة لدول الأطلسي، بغية تأمين استراتيجية شاملة لاجتثاث ظاهرة الإرهاب التي كان لتداعياتها الأوروبية وقع مؤلم، عدة مرّات، على الأراضي الفرنسية، وصولاً إلى ذهاب وزير الدفاع جان لوي اودريان للدعوة إلى تدخل أطلسي جديد في ليبيا.

وفي خضم الفعل الإجرامي وردود الفعل عليه، دعا رئيس الجمهورية الفرنسي إلى إدخال تعديلات دستورية تتيحُ اسقاط الجنسية الفرنسية عن مزدوجي الجنسية الذين يدانون بارتكاب أعمال إرهابية. وقد تكون جسارة الحدث ودراماتيكيته، وما أثاره من تضامن وطني فرنسي على منوال ما أصاب الأميركيين في الولايات المتحدة غداة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، يفسرُ الصمت، الذي فُسر بأنه قبول، والذي ربما اعتُبر وجهاً من وجوه الاحتفاليات الحزينة الغاضبة ومن لزومياتها المشهدية، بما لا يستحقُّ موقفاً مغايراً أو حتى نقاشاً معانداً.

لكن فرنسا والفرنسيين، بعد استيعاب الحدث وتجاوز طبوله الفلكلورية، استفاقوا على الجدل في مسألة تنالُ من صميم الفكرة الفرنسية وفلسفتها التي ما برحت ترفعها بيرقاً ومنتجاً قابلاً للتصدير، وراح بعضهم يسخرُ من نعت هجوم بضعة إرهابيين بالـ "حرب" ضد بلادهم، على حدّ ما ذهب إليه سيّد الإليزيه.

ينطلق لبّ الجدل من إصرار الحكومة الفرنسية، لا سيما رئيسها مانويل فالس، على تمرير تلك التعديلات بصفتها عقابية رادعة للإرهاب المطلّ بقوة على البلاد. واللافت أن معارضة المسعى الحكومي لم تأتِ فقط من منابر يسارية تنتمي لها الحكومة، بل حتى من قبل أوساط يمينية اعتبرت التدبير غير مفيد (على حدّ تعبير رئيس الحكومة الديغولي الأسبق آلان جوبيه المرشح لخوض السباق الرئاسي المقبل)، ولا يمتلك أي مفاعيل رادعة ضد الإرهابيين. وذهب جان دورميسون واحد من مثقفي اليمين الفرنسي، وفي سجال مباشر جمعه تلفزيونياً مع فالس، إلى السخرية من هذا الإجراء، متسائلاً عما إذا كان الإرهابي الذي سيرتكبُ عملية انتحارية سيفكرُ كثيراً في أنه سيفقد الجنسية الفرنسية جراء ذلك، ما قد يمنعه من الانتحار.

تقوم الجمهورية الفرنسية وفق ثورة الفرنسيين عام 1789 على ثلاثية قيّم: حرية، مساواة، إخاء. تدور ورش الإحزاب السياسية الفرنسية، في خطابها اليومي كما في مبرر وجودها وديمومتها وفي تنافسها الإنتخابي، على قاعدة هذه القيّم وسبل حمايتها بصفتها ثوابت فلسفة الدولة وقواعد العقد الإجتماعي، فإذا بتلك التعديلات الدستورية التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها، تضرب تلك القيّم بعرض الحائط، بحيث لا يتساوى الفرنسيون أمام القانون، فتسقط جنسية الفرنسي ثنائي الجنسية، بما يعرّض تلك الفئة من الفرنسيين لعقوبة مضاعفة، فيما لا تسري عقوبة نفس الجرم على الفرنسيين الذي لا يحملون جنسية أخرى.

المخاضُ فرنسي-فرنسي أصاب قلب الحكومة الفرنسية حين قدّمت وزيرة العدل كريستيان توبيرا استقالتها اعتراضاً على هذا التعديلات، بما يعكس انقساماً في هذا الشأن داخل الحزب الإشتراكي الحاكم. والغريب أن واحداً فقط من الذين ارتكبوا أعمالاً إرهابية خلال السنوات العشر الأخيرة ثتائيُّ الجنسية، فيما الباقون ولدوا وترعرعوا في فرنسا ولا يحملون أية جنسية أخرى، بما لا يبرر عملياً، ووفق الوقائع الحاصلة، الذهاب بتعديلات دستورية تعيد تعريف المواطن الفرنسي وفق معايير تمييزية بين المواطنين أنفسهم.

والمفارقة أن تدبير اسقاط الجنسية عن الإرهابيين لطالما كان مطلباً يمينياً، لا سيما من قبل اليمين المتطرف الذي يتهمه اليسار الفرنسي كما اليمين المحافظ بأنه حزب عنصري، ويتضامنون في ذلك، على رغم خصومتهم وتناقضهم، لردّ أخطاره. حصل ذلك حين دعا اليسار الفرنسي للتصويت لليميني الديغولي جاك شيراك في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2002 (فاز بنسبة قياسية وصلت إلى 82 بالمئة) بعدما أتى ترتيب جان ماري لوبن زعيم "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف ثانياً في الدورة الأولى مطيحاً بمرشح اليسار في الدورة الأولى، فكان أن فاز اليميني شيراك بأصوات اليسار. كرر اليساريون واليمينيون هذه التجربة في الانتخابات المحلية الأخيرة (ديسمبر الماضي)، حين اضطر اليسار الفرنسي، لا سيما الحزب الإشتراكي الحاكم، لدعوة ناخبيه للتصويت للوائح اليمين المحافظ في الدوائر التي سجّل فيها اليمين المتطرف اختراقات تهدد باسقاطها.

يستند ُمانويل فالس رئيس الحكومة على دعم رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند في المضي قدماً في تمرير تلك التعديلات بما يشبه العناد الأجوف. يعتبر معارضو التعديلات أنها لا تستندُ على مسوّغات مقنعة، ناهيك عن تناقضها مع روح الجمهورية وتعارضها الكامل مع القيّم التي يدافع عنها الحزب الإشتراكي نفسه. يصف فالس الإشتراكي المعارضين داخل حزبه بالرومانسيين الذين لا يدركون قواعد الدولة وأبجديات الحاجة إلى سلطتها. قبلها كان قد انتقد موقف وزيرة العدل الفرنسية الرافضة منذ بدء الجدل حول المسألة، فيما تأتي استقالتها لتعكس أزمة اشكالية داخل السلطة التنفيذية وداخل أوساط الحزب الاشتراكي الحاكم.

على أن المراقبين للشأن الفرنسي يعتبرون الجدل ضجيجاً سريالياً هدفه الابتعاد عن نقاش القضايا الحقيقية في البلاد. تعاني فرنسا من وهن الوضع الاقتصادي وتراجع معدلات النمو وارتفاع مستويات البطالة. يسجّل الأداء الإقتصادي تراجعاً تلو آخر، على الرغم من الوعود الرئاسية التي سبق أن أطلقها هولند، وعلى الرغم من التغييرات الحكومية ومن تعدد البرامج والقوانين والتدابير والمبادرات التي اتخذتها حكومات هولند لانعاش القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

ينبغي أيضاً وضع الجدل الفرنسي الراهن ضمن الحملات التمهيدية لانتخابات رئاسة الجمهورية التي تجري العام المقبل. والظاهر أن الرئيس هولاند، وهو مرشح لتلك الانتخابات، يحاكي الكتلة الانتخابية لليمين المتطرّف من خلال ملامسة هواجسها التي ترفع من أحجامها، لا سيما أن تلك الكتلة قد تضخّمت، ليس فقط من خلال تصويت البيئات اليمينية، بل من خلال انتقال تصويت يساري من خلفيات عمالية باتجاه التصويت لليمين المتطرف تأثراً بخطابه الشعبوي المغري، ونفوراً من الطبقة السياسية التقليدية، بيمينها ويسارها.

يدافع فالس عن قرار حكومته في أن الإرهاب الذي ضرب فرنسا يستهدف الهوية الفرنسية بأبعادها العلمانية والمتمسكة بالحريات وبالتعدد والانفتاح، وبما يمثّله البلد في أدبه وصحافته وثقافته وفنونه، وبالخلطة الإجتماعية الثرية بأقلياتها والمزيج المتعدد الهويات. ويرى فالس أن الفرنسي الذي يروم تدمير فرنسا هذه لا يستحق أن يكون فرنسياً.

غادرت وزيرة العدل وزارتها على متن دراجة هوائية بعد مراسيم تسلم وتسليم سلسلة هادئة مع خلَفِها. في تفسيرها لقرار الإستقالة تقول كريستيان توبيرا: "أن تقاوم هو أن تصمد أحياناً وأن ترحل في أحيان أخرى". لكن ذلك التفسير قوبل برد من قبل مانويل فالس: "أن تقاوم هو أن تواجه واقع البلد". وربما أن رحيل توبيرا التي تمثّل الجناح الأكثر يسارية داخل الحكومة اليسارية (رحب اليمين برحيلها منتقداً بشدة أداءها المثير للجدل على رأس وزارة العدل) وخروج مظاهرات منذ يومين تعارض التعديلات، لا يعدو عن كونه زوبعة إعلامية تنقذ ماء وجه اليسار الحاكم، وتعبّر عن حيوية الحياة الديمقراطية الفرنسية، لا سيما داخل الحزب الإشتراكي، بما لن يمنع من تمرير تعديلات دستورية لا تعوّل عليها كثيراً أجهزة الأمن المستنفرة وفق حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد، ذلك أن العلّة خبيثة عابرة للحدود التي يعمل داخلها دستور فرنسا.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>