First Published: 2016-02-03

المطبخ السوري ومستقبل المنطقة

 

الحل في سوريا سيؤجل إلى أن يجد المجتمع الدولي صيغة لحل أزمتي لبنان والعراق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بمواد فقيرة قليلة يمكن اعداد وجبة غذائية جيدة، بشرط أن تكون تلك المواد طازجة أو على الاقل لا تزال صالحة للاستهلاك البشري ولم تتعفن.

تلك هي وصفة المطبخ السوري الذي أتصف بتنوع اختراعاته التي ترعاها عبقرية خاصة في المذاق والنكهة والطعم والرائحة والشكل.

السوريون، حتى الفقراء منهم حاذقون في العناية بالشكل الذي يليق بأغذيتهم.

فهل ستكون مفاوضات جنيف التي يصفها البعض بالشكلية غطاء أنيقا لمشروع حل سياسي سيطرحه المجتمع الدولي ويسعى إلى تنفيذه، يكون بمثابة مقدمة لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بعد سنوات الفوضى؟

معالجة المجتمع الدولي للمسألة السورية تبدو أشبه بالطبخ على نار هادئة.

ما من شيء يدعو إلى الاسراع بالرغم من أن الاوضاع الإنسانية قد انحدرت إلى مستوى مزر، يشكل الصمت في مواجهته نوعا من الخيانة لحق الإنسان في البقاء.

غير أن خلو المنطقة من أصوات العقل والحكمة يسمح بوقوع تداعيات من ذلك النوع، من غير أن يكون المجتمع الدولي مسؤولا عما يجري، على الاقل على صعيد مباشر.

فما يُسمى بـ"المجتمع الدولي" هو اختزال تبسيطي لمجموعة هائلة ومعقدة من العلاقات والمصالح والمشاريع والخطط والافكار السياسية والاقتصادية والثقافية المتشابكة التي من الصعب توقع طبيعة استجابتها والتوقيت المناسب لها.

وإذا ما تعلق الامر بالازمات الإنسانية فإن هناك الكثير منها قد وضع على الرف بسبب تلكؤ المجتمع الدولي وتردده وتصدع قدرته على اتخاذ قرار موحد.

كل هذا يعني أن السوريين لن يفرضوا على القوى الدولية نوع الحل وتوقيته. ومن المؤكد أن طرفي المفاوضات التي تجري الآن في جنيف يرتكبان خطأ بشعا في حق الشعب السوري حين يعتقدان أن لغة الحرب هي نفسها لغة السياسة. فالوقائع تؤكد أن ما لم يتحقق من خلال الحرب لن تستطيع السياسة أن تجعله ممكنا.

كان عليهما أن يستعينا بعبقرية مطبخهم من أجل أن تنفتح أمامهما آفاق الحل التي تبدو حتى اللحظة مغلقة. ولكن هذا الواقع السوداوي سوف يتغير كما أتوقع. ذلك لأن المجتمع الدولي نفسه كان قد أسس لقناعات لا تتعلق بسوريا وحدها.

بدأ ذلك التحول بدخول روسيا على خط الحرب على الارهاب.

وهو ما لم تفهم المعارضة السورية حتى اللحظة جوهره، إذ تسيطر على لغتها بلاغات الحرب واستعراض حجم الخسائر البشرية التي يسببها القصف الروسي، من غير أن تدرس ردود الفعل الغربية المتواطئة مع ما يفعله الروس.

بالنسبة للمجتمع الدولي فإن الحل السياسي للازمة السورية لن يكون ناجعا إلا إذا كان مفتاحا لحل الازمة في المنطقة كلها. وهي معادلة تبدو ثقيلة الوطأة على الشعب السوري أولا وعلى المعارضة التي لا تخفي يأسها.

ولكن سوريا التي تقع بين هلالين هما العراق ولبنان لا يمكن أن تذهب إلى الحل منفردة. فالميليشيات التي تتحكم بالبلدين هي نفسها التي ترسم خرائط الحرب في سوريا. هناك ميليشيات شيعية ابرزها حزب الله تقف على ضفة فيما تقف على الآخرى جماعات وتنظيمات جهادية أبرزها داعش.

لذلك فإن ما يُعد في المطبخ السوري من وصفات غذائية لن يكون مخصصا لإرضاء الذوق السوري. هناك شعبان ارتبطا بسوريا مصيريا لابد أن يأخذا حصتهما. فهل هذا يعني أن الحل في سوريا سيؤجل إلى أن يجد المجتمع الدولي صيغة لحل أزمتي لبنان والعراق؟

سابدو كمن يروي حكايات خيالية لو قلت أن الهدنة في سوريا ستربك عمل الميليشيات في المنطقة وستضعها أمام خيارين لا ثالث لهما. اما أن تجنح إلى السلم أو تستمر في الحرب. من جهتي ارجح أنها ستلجأ إلى الخيار الثاني وهو ما سييسر القضاء عليها.

مثل الـ"تبولا" والـ"فتوش" و"فتة الحمص" وسواها من الاكلات السورية سيكون الحل معقدا لكن بمواد فقيرة لم تفقد بعد صلاحيتها للاستهلاك البشري.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
المزيد

 
>>