First Published: 2016-02-03

أين ساعي البريد

 

لو تسنى لدوكلو أن يعيد المشهد عندما قدم رزمة من رسائل إلى أراغون وقال له: تفضل اصنع من هذا صرحا. لكان أعاده على ساعي البريد الذي هو كالشعراء أسهم في صنع صروح من الكلمات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ساعي بريد أعاد السلام للعالم

لو تسنى لجاك دوكلو أن يعيد المشهد عندما قدم رزمة من رسائل إلى أراغون وقال له: تفضل اصنع من هذا صرحا. لكان أعاده على ساعي البريد الذي نفتقده من حياتنا اليوم، هو أيضا كالشعراء أسهم في صنع صروح من الكلمات.

ألم يكن كيفن كوستنر ساعي بريد أعاد السلام للعالم قبل أن يكون رحالة يتجول في سهول ولاية أوريغون، ويقوم بعروض لمسرحيات شكسبير مع بغله في البلدات التي يصل إليها مقابل الغذاء والماء.

مثل هذا الرحالة قاد العالم إلى السلام بعد أن أصبح ساعي بريد بالمصادفة في الفيلم الذي لا يغادر الذاكرة.

مناسبة مثل هذا الكلام الحنين المتصاعد لساعي البريد الذي تفتقده مدن العالم اليوم، الأمر الذي دفع إميلي تشابل وهي ساعية بريد سابقة إلى استعادة الأمل عبر الذاكرة في كتاب “ماذا يدور حولك”.

تصف إميلي مثل غيرها من السُعاة هذه الوظيفة باعتبارها مدخلهم إلى مدينة مخفية: غرف بريد تحت الأرض، وجزء من مبنى خاص للتحميل وأبواب خلفية. بينما هي تمارس عملها متنقلة على دراجتها الهوائية أشبه بمراقب مُتراخ لحياة المدينة من دون أن يعترضها أحد، بل من النادر ألا يبادرها الآخرون بإطلاق التحية.

ساعي البريد ليس صورة فلكلورية كي يختفي من واجهات المدن، لندن المدينة الرقمية بامتياز التي تدير شؤونها عبر الإنترنت، لا تقبل إلى اليوم التضحية بساعي البريد، فلون بدلته الحمراء وقميصه الأزرق علامة دالة في طرقات المدينة.

مدننا العربية تجاهلت القيمة الاعتبارية لساعي البريد وغيبته قبل أن تضع خطوتها الأولى في العالم الرقمي، بينما البريد أشبه بمؤرخ لوقائع المدينة بشواهد هي الطوابع التي تلصق على الظروف. ومن أجل أن نعرف القيمة الاعتبارية للبريد، يمكن أن نعود إلى الدلالة التاريخية للطوابع التي تتصاعد قيمتها المالية مع مرور السنوات.

ليس مجديا استعادة العشرات من الأغاني التي تحدثت عن ساعي البريد وكيف أرّخت لأحلام العاشقين، لكن من المجدي التذكير بأن وظيفة الرسائل لم تنته بعد، ليست الرسائل التي تكتفي بالكلمات، ثمة وظيفة للرسائل الجديدة تمثلها الطرود والطلبات العاجلة والتسوق عبر الإنترنت وهي مهمة معاصرة لساعي البريد. فلا يعني التخلي عنه أكثر من أن مدننا لا تجيد تقديم مثل هذه الخدمة المعاصرة.

العاشقة التي كانت تنتظر من قبل رسالة صغيرة معطرة من حبيبها مفعمة بالكلمات، يمكن أن تترقب اليوم هدية من نفس العاشق في علبة ملونة وأنيقة، وهذا يعني أننا افتقدنا مساحة عميقة من حبنا بإنهاء مهمة سعاة البريد برمتهم.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>